reporters - حينما تضع الحرب أوزارها، يأتي وقت إحصاء الضحايا

أحمد مولود الطيار يكتب*: هل يوحد التدخل العسكري الإيراني السوريين؟

لن تستطيع إيران مواصلة التمسك بالرئيس السوري بشار الأسد إلى ما لانهاية، وستخسر - آجلاً أم عاجلاً - رهانها هذا، وسيسقط الأسد في النهاية. بشار الأسد في معمعة الثورة السورية سيغدو حاله كحال الرجل المريض، حيث الجميع يتحاشى لمسه والاقتراب منه خشية العدوى.

ما نجحت إيران فيه لا يقاس بوجود أو بعدم وجود رئيسٍ فقد كل صلاحياته، وقبلها مسؤولياته. ما نجحت فيه هو إحداث شرخ هائل بين السوريين؛ كل السوريين، وهذا خطير بكل المقاييس، على وحدتهم، واجتماعهم، ومستقبل وطنهم.

لم تكن سوريا هي الأولى في "كرة القدم الإيرانية"، فقد سبقتها في ذلك ملاعبٌ في العراق ولبنان واليمن والبحرين، حيث اعتاد الفريق الإيراني اللعب في منتصف ملاعب تلك الدول، منتهجاً إستراتيجية الضغط على الخصوم فيها. إن براعة تلك الاستراتيجية قسمت جمهور المتفرجين إلى قسمين، وهم من كان يُنتظر منهم تشجيع فريقهم الوطني، حيث نسبة لا يستهان بها من جماهير تلك الدول باتت تستمتع بالأهداف التي يسجلها الفريق الإيراني، وتسبّ فريقها الذي صرفت عليه دم قلبها إعداداً وتجهيزاً، ويخذلها في كل مناسبة. وجدت في انسيابية اللعب الإيراني متعتها، ورأت في الأهداف الغزيرة التي يسجلها تعويضاً عن عقمها القديم والمستمر.

 آجلا أم عاجلاً ستحط الحرب أوزارها، سيلقي المتحاربون بنادقهم، وستحصي كل قرية ومدينة وحارة سورية خسائرها وعدد قتلاها. ستظل الأمهات يتشحن بالسواد ويتذكرن أبناءهن بحسرة وألم. سنحصي كم من المدارس دمر، وكم من أطفالنا بلا مستقبل. إنما ما هو عصي على الإحصاءات في جرد خسائرنا بعد أفول الحرب هو في كمّ الجدران العالية من الحقد والبغضاء بين سوريين وسوريين، الكم الهائل من الحواجز والخنادق بين مدينة ومدينة، بين القرية والقرية، الحي والحي، الشارع والشارع، الأخ وأخيه، والقريب وقريبه. "جردة" مرعبة أوصلتنا إليه أسباب وعوامل كثيرة، تبرز إيران بنظامها السياسي المتوحش وأحلامها الإمبراطورية المريضة أحد أهم تلك الأسباب لما آلت إليه أمورنا نحن السوريين.

تسنى لكاتب هذه السطور الاطلاع عن قرب على أحوال العراقيين في كندا، وكم هو كبيرُ الشرخ وهائلٌ بينهم، حيث اختفى العراق في تعريفاتهم وهوياتهم، وباتوا يتنابزون فيما بينهم بالسنّي والشيعي، وموضوع كبير - كالحرب العراقية الإيرانية - هو موضوع خلاف كبير فيما بينهم.  صدام حسين أبلى من قبل بلاءً كبيراً في تهتك إجماعهم ووحدتهم الوطنية، وجاء السقوط فيما بعد، وأبلت إيران ببراعة في اللعب واستثمار ما هو متهتك أساساً.

في لبنان حدّث ولا حرج عن شعوب لبنانية تتقاسم زواريبها وحاراتها، وإن لم يصل الأمر إلى حد يتطلّب الحصول على"فيزا"، ينتقل بها اللبناني من مناطق نفوذ حزب الله، إلى مناطق أخرى، أو العكس.

في اليمن لم يتعب المقاتلون بعد، وفي البحرين واصلت إيران اللعب محاولة تشويه ثورة جميلة ومحقة، وفي سوريا "درة التاج بالنسبة لإيران" تختلف بعض الشروحات، حيث أن الرئيس السابق حافظ الأسد ومنذ استتباب السلطة في يديه؛ أدارها بشكل يؤدي في المآل الأخير إلى إنهاك وإضعاف كل المكونات المجتمعية، ولا بأس في وضعها مقابل بعضها، وإقامة الحواجز والسدود، وعبر عقود حكمه الطويلة؛ هندس المجتمع السوري كما يحلو لديكتاتور، وتوج طائفيته تلك بخطف الطائفة العلوية ليتلاعب بها كيفما شاء، موقظاً لديها كل الظلامات السابقة. جاءت الثورة السورية لتحدي تلك "الهندسة" وكسرها، فما اشتغل عليه الديكتاتور خلال أربعين عاماً يصعب كسره خلال أربعة أعوام أو خمسة، أضف إلى ذلك معاندة كل الظروف الإقليمية والدولية لإرادة السوريين، وما توخَّوه من انفجارهم المزلزل، وإيران لا تزال تستثمر وتلعب ما بدأه حافظ الأسد، إنما بشكل فجٍّ صريح، ومن دون مواربة. الأخبار تتحدث عن حزب الله السوري وتشكيلات عسكرية أخرى، وما هو مهم ليس ما تنوي إيران القيام به للمحافظة على نفوذها، فالأخطر أن هناك سوريون باتوا لا يمانعون في طلب الحماية من إيران؛ حتى وإن ترجم ذلك تدخلاً عسكرياً صريحاً، وعلى الضفة الأخرى هناك سوريون يلهجون بالشكر لأردوغان، وآخرون لزعيم هذه الدولة أو تلك.

هل تظل النجاحات الإيرانية مستمرة إلى ما لانهاية؟

في حال دخول قوات عسكرية إيرانية إلى الأراضي السورية، هل يتعامل معها كل السوريين، موالاة ومعارضة، على أنها قوات احتلال، ويتحدون لمقاومتها وطردها كما اتحدوا في تاريخٍ مضى ضد المحتل الفرنسي؟

كل الأمل أن يكون الجواب: نعم.

*مقالات الرأي تعبّر عن وجهات نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي "هنا صوتك".