ANP - لم تُكسر بعد الدائرة المفزعة التي تبدأ بأنظمة فاسدة تصنع قوانين، فتقوم القوانين بدورها بصناعة أنظمة فاسدة تصنع قوانين فاسدة جديدة، وهلم جرا. اقرأ تحليل الباحث المصري أسامة دياب للأحكام في قضايا رموز نظام مبارك.

أسامة دياب يكتب: "مهرجان البراءة للجميع" وحلقة مفرغة لفساد يصنع قانون وقانون يصنع فساد

جاء حكم الإدانة على الرئيس مبارك ونجليه في قضية قصور الرئاسة مطلع شهر مايو 2015 كخبر استثنائي في ظل أحكام البراءة الكثيرة التي حصل عليها رموز نظام مبارك في قضايا الفساد التي أثيرت بعد ثورة 25 يناير. ولكن من المهم إدراك أن الأمر ما زال في يد محكمة النقض، والتي من الممكن أن تلغي الحكم وفي هذه الحالة تتحول محكمة النقض لمحكمة موضوع في ثاني إعادة للمحاكمة، ويصبح من سلطاتها الحكم ببراءة المتهمين وليس فقط إعادة المحاكمة أمام دائرة أخرى لمحكمة الجنايات كما هو الحال في الإعادة الأولى للمحاكمة. ولذلك فالطريق القضائي ما زال مفتوحا أمام المتهمين للخروج بسجل ناصع خالي من أي إدانة.

قضايا فساد رموز نظام مبارك حتى يوم 15 مايو 2015*:
33 قضية واجهها 17 شخصًا
13 حكمًا بالبراءة
3 قضايا انتهت بالتصالح
7 أحكامًا غيابية
حكم واحد انتهى بإدانة غير نهائية
9 قضايا لا زالت جارية
* المبادرة المصرية للحقوق الشخصية

والسبب في كون هذا الحكم استثنائيا، أنه جاء في ظل ما يعرف شعبيا بـ"مهرجان البراءة للجميع"، حيث واجه 17 رمزا من رموز نظام مبارك 33 تهمة فساد، قمنا بحصرها ومتابعتها في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. لم تؤل أي محاكمة منها إلى الإدانة بالرغم من انتهاء 24 قضية من الـ33 بالإدانة في حكم الدرجة الأولى، وست فقط بالبراءة، وثلاث بالتصالح. ولم تؤيد محكمة النقض أي من الأحكام الـ24، وأمرت بإعادة المحاكمة في كل القضايا باستثناء سبع قضايا حُكم فيها غيابيا. ومن بين الـ17 قضية التي أعيد المحاكمة فيها، انتهت سبع بالبراءة، وواحدة بإدانة غير نهائية منتظرة قرار محكمة النقض، وما زال تسع قضايا جارية حتى هذه اللحظة.

وبالنظر إلى قضايا فساد نظام مبارك ما بعد الثورة، نجد إنه ما بين الهروب خارج البلاد وأحكام البراءة وصفقات التصالح وإسقاط التهم بالتقادم، ما زال الفساد المالي — وتحديدا واسع النطاق والكبير منه — جريمة غير قابلة للإدانة، وذلك لأسباب عدة، أبرزها هو تقييد يد القضاء بقوانين غير صالحة، وأهمها في هذه الحالة مواد التصالح في القانون التي تتيح التسوية المالية في جرائم التعدي على المال العام، وهو أمر غريب لا يسمح به مثلا في حالات التعدي على المال الخاص، ففي حالة السرقة لا يكفي قانونا أن يعيد السارق ما سرقه لتفادي العقوبة بل يجب أن يعيد ما سرقه بالإضافة إلى قضاء العقوبة المنصوص عليها في القانون. والمال العام من المفترض أن يكون أكثر قداسة من المال الخاص لأنه يمس حقوق المجتمع ككل. وفي حالة تعدي المواطن غير المستثمر أو الموظف في الدولة على المال العام، فلا يسمح له أيضا بالتسوية ودفع مقابل ما تعدى عليه أو أتلفه، بل وقد يحاكم عسكريا وفقا للقرار الصادر بقانون في شهر أكتوبر 2014، والذي ينص على محاكمة المعتدين على المرافق العامة أمام القضاء العسكري.

هذه المعاملة "القانونية" التمييزية لصالح كبار المستثمرين وكبار رجال الدولة — بجانب كونها غير دستورية — تُعد من أهم أسباب عدم قابلية إدانة جرائم الفساد الكبيرة، وهي القاعدة القانونية التي استفاد منها بالفعل مبارك وحبيب العادلي في القضية المعروفة إعلاميا بـ"هدايا الأهرام"، واستفاد منها أيضا رجلا الأعمال هشام الحاذق وحسين السجواني في قضية "أرض الغردقة". وكما تابعنا في الأخبار، قام العديد من رموز فساد نظام مبارك بالتقدم بطلبات التصالح مقابل تسديد بعض المبالغ المالية وعلى رأسهم الهارب حسين سالم.

ومن القوانين التي مكنت مبارك ونجليه من الإفلات من العقاب في تهمة قبول عطايا في مقابل استخدام نفوذ رئيس الجمهورية في محافظة جنوب سيناء، والتي شكلت جزءا من المحاكمة الرئيسية لمبارك والمعروفة إعلاميا بـ"محاكمة القرن"، هي سقوط الدعوة للجرائم الجنائية بالتقادم، لأن القانون ينص على أن احتساب تاريخ تمام الواقعة يتم لحظة قبول العطية في حين أن منظمة الشفافية الدولية توصي باحتسابها من لحظة استنفاد نفوذ المرتشي لصعوبة أو استحالة محاكمته أو حتى الكشف عن تلك الواقعة وقت توليه منصب رئيس الجمهورية خاصة في ظل نظام سلطوي كما كان الحال في عهد مبارك. وتصف منظمة الشفافية التقادم بأنه "عد تنازلي نحو الإفلات من العقاب" عند بدء حسابه من تاريخ وقوع الجريمة.

ولكن من الأمور القليلة الإيجابية، وبالرغم من إسقاط القاضي في تلك المحاكمة للدعوى الجنائية بمضي مدة التقادم، وهي عشر سنوات في الجنايات، إلا أنه قدم توصية للمشرّع بتعديل يؤدي لعدم احتساب تاريخ تمام وقوع الجريمة في قضايا استعمال النفوذ لحظة قبول العطية، ولكن مع استنفاد نفوذ المرتشي، وهو ما حدث بالفعل في تعديل قانون الإجراءات الجنائية بحيث تُحتسب الآن مدة العشر سنوات من تاريخ ترك الموظف للمنصب العام، وليس من تاريخ ارتكاب الجريمة، وهو المبدأ القانوني البسيط الذي كان من الممكن أن يؤدي إلى الحكم على مبارك بالإدانة في قضية "فيلات شرم الشيخ"، ولكن أُهدرت فرصة ذهبية لتحقيق ولو قدر بسيط من العدالة.

من الثغرات القانونية العديدة التي أدت إلى الإفلات من العقاب في جرائم الفساد هي عدم وجود أي نص قانوني ينظم مسألة تضارب المصالح بين الوظيفة العامة والمصالح الخاصة، بالرغم من التزام مصر بالفعل منذ أن وقعت على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في عام 2003، وصدّق المشرّع المصري عليها في عام 2005. وتنص الاتفاقية على ضرورة سعي كل دولة طرف إلى "اعتماد وترسيخ وتدعيم نظم من سبيلها تعزيز الشفافية ومنع تضارب المصالح". وتوصي كذلك في مادتها الثامنة على سعي كل دولة طرف إلى "وضع تدابير ونظم تلزم الموظفين العموميين بأن يفصحوا للسلطات المعنية عن أشياء تتضمن ما لهم من أنشطة خارجية وعمل وظيفي واستثمارات وهبات ومنافع كبيرة قد تفضي إلي تضارب في المصالح مع مهامهم كموظفين عموميين". وتلزم الاتفاقية أيضا في مادتها الثانية عشر الدول المصدقة عليها "العمل على وضع معايير وإجراءات تستهدف صون نزاهة كيانات القطاع الخاص ذات الصلة، بما في ذلك وضع مدونات قواعد سلوك من أجل قيام المنشآت التجارية وجميع المهن ذات الصلة بممارسة أنشطتها على وجه صحيح ومشرف وسليم من شأنه أن يمنع تضارب المصالح، ويروج لاستخدام ممارسات تجارية حسنة بين المنشآت التجارية، وفي العلاقات التعاقدية بين تلك المنشآت والدولة".

ولم تتواكب للأسف القوانين المحلية مع هذه الاتفاقية، فلم نر تشريعا يمنع تضارب المصالح إلا في أواخر عام 2013 بعد نحو ثلاث سنوات من قيام ثورة يناير. والقوانين بطبيعة الحال لا تطبق بأثر رجعي، فرأينا العديد من الممارسات، التي تعد ممارسات فساد صريحة لا غبار عليها في أي مكان في العالم، يتم الحصول فيها على براءات بالجملة. ونذكر جميعا حكومة أحمد نظيف، والتي عُرفت بـ”حكومة رجال الأعمال”، فرأينا فيها وزير الإسكان يمتلك واحدة من أكبر شركات التطوير العقاري في مصر، ووزير الصناعة يمتلك واحدة من أكبر الشركات الصناعية في المنطقة، ووزير الصحة يمتلك أهم وأكبر مستشفى ومركز أشعة في مصر وعددا آخر من المستشفيات والمراكز الاستشارية، ووزير النقل يمتلك واحدة من كبرى وكالات السيارات في مصر، ورأينا حالات تضارب مصالح صريحة مثل أموال صندوق دعم الصادرات التي تذهب لشركات محددة يملكها الوزير المسئول، أو أراضي مملوكة تخصص من قبل الوزير المختص لشركته أو أقربائه أو شركات يساهم فيها نجل رئيس الجمهورية بدون مناقصة بـ5% من قيمتها السوقية.

قد يكون الاعتماد على هذه القوانين أو الفجوات القانونية مبررا إذا كانت صناعتها تتسم بالحد الأدنى من الديمقراطية والتمثيل والمشاركة، لكن لا يخفى على أحد كيف اختيرت الجهات التشريعية في عصر مبارك، والتي كانت نتاجا مباشرا وصريحا للتضييق الشديد على المعارضة والإعلام، وتزوير الانتخابات لصالح الحكومة والحزب الحاكم ورجال الأعمال المنتمين للحزب الحاكم، مما سهّل بشدة سن تشريعات تقنن وتحمي ممارسات فاسدة وتمنح الحصانة لمرتكبيها حال خضوعهم للعدالة.  

وبالرغم من تمرير قانون لمنع تعارض المصالح، وتعديل قانون الإجراءات الجنائية فيما يخص مدة التقادم في جرائم المال العام بعد ثورة يناير، إلا أن الحكومة، صاحبة السلطة التشريعية في غياب البرلمان، مررت قوانين أخرى تحمي الفساد وتشجعه وعلى رأسها ما يسمى بقانون تحصين العقود، وهو القانون الذي يمنع أي طرف من الطعن على العقود التي تبرمها الدولة مع المستثمرين، وما زالت الحكومة مصممة على عدم تمرير قوانين من شأنها محاصرة الفساد مثل قانون حرية تداول المعلومات وقانون حماية الشهود، والموصّى بهما في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ويأتي هذا كله كإعلان عن عدم كسر هذه الدائرة المفزعة التي تبدأ بأنظمة فاسدة تصنع قوانين، فتقوم القوانين بدورها بصناعة أنظمة فاسدة تصنع قوانين فاسدة جديدة، وهلم جرا.