Reporters - كان ثمة أخطاء تتراكم، وكل من يشر إليها يُنبذ كما لو أنه مسعور.. وهكذا تناسلت الأحقاد بعيدا عن الحكمة..

سعاد سالم تكتب: في رأسي وطن.. ورأسي في وطن آخر

كمٌ كبير من تذاكر القطار في جيبي ..وجرائد مهمة فوق طاولتي ..ومواعيد مؤجلة لرحلات ترفيهية ومفاتيحي التي تغلق عليَّ باب بيتٍ حلمتُ به مشبوكة بسحّاب حقيبتي الكبيرة.. مخطوطات الكتب التي ألفتها ومشاريع سيناريوهات لأفلام وثائقية أرتب لها مع مجموعة أصدقاء مبدعين برنامجي التوك شو على تردد راديو ما.. هو عملي الذي أركض إليه كل صباح..

بشوق لا يذبل أسلك الطريق الفسيح المبلط والمشجر.. وأصل مخنوقة بالضحك والحيوية فأتفجر أمام المايك بتلك الأشياء الصغيرة التي تهمنا ولانظنها تصير يوما رأيا عاما أو فكرة متاحة أو أي شيء جميل مثل قطرة ندى على زهرة الياسمين الرقيقة في أصص الشوارع..

هكذا حلمت بالوطن عشية مظاهرة 17فبراير من العام 2011.. وحين رأيت الناس العادية التي حملت وجوها محايدة طوال أعوام تلبس ملامحَ وتهدي ابتساماتها بسخاء، قلت هذا الطريق إلى الوطن.. في تلك الحقبة البعيدة حينما كان العذاب مخفياً وأصوات الأنين تغطي عليها أبواق السيارات والأناشيد والأعلام المخططة، كنت أعتقد أنه مجرد وقت قصير وسيهدأ القوم ونبدأ في وضع خطط لشبكات سكك الحديد التي شادتها نواياي الحسنة ولكن نواياي لم تستطع وضع قطارات على تلك السكك ولا أخرجت معتقلا واحدا تهمته هتافه "الله ومعمر وليبيا وبس" ..وحتى بعد قتل معمر لم ينظر أحد إلى أنه ماتبقى لهولاء سوى الله وليبيا وبس ..بينما تركونا للذين ربهم يشبههم دموي وغاضب على الدوام ويكره النساء والموسيقى ولايعترف بليبيا..

كان ثمة أخطاء تتراكم، وكل من يشر إليها يُنبذ كما لو أنه مسعور.. وهكذا تناسلت الأحقاد بعيدا عن الحكمة.. ففي مساء قريب من الاحتفالات التي لم تزل آثارها في الشوارع وقبل مجيئ العام الأول من فبراير، علت تحت نافذة بيتنا أصوات آمرة وجلبة.. قفزت أنظر ماذا يجري، كانوا بضعة أشخاص بزي الصاعقة (يعني ثوار) تعرفت على واحد منهم: جارنا بشعره الطويل يركل مع رفاقه. شابان.. حاصروا سيارتهما وهاهم يمطرونهما بالإهانات والتهم.. ثم أصعدوهما معهم في إحدى السيارات فيما قاد واحد منهم سيارة المقبوض عليهما.. بدا سريعا تبخر السعادات والأفكار الإيجابية عن معنى كرامة المواطن التي ظلت عناوين تصنع الفخاخ للحالمين من أمثالي بالوطن وحصرا في استوديوهات الأخبار وفي برومو البرامج الحارة بالمشاهد والعناوين.. لم أعرف أين مضوا به لكن بعد شهور قليلة كانت منطقتنا اشتملت على معتقل خاص بها، فعوضا عن أن تصبح تلك المباني الدائرية الهندسة والمجهزة بالقاعات المريحة التي توقعت أن تصير مسارحا أو قاعات سينما أو تعج بالشعر والموسيقى بل وربما مكتبات عامة.. لمَ لا! طبعا لا.. باتت معتقلات وقاعات تعذيب.. جتى داهم فصيل من منطقة أخرى بالرشاشات ومضادات الطيران المكان، وأكمل جرار هائل شق نصف الكرة وجرف حديقتها.. وكل أحلامي المتعلقة بها.

ظل الوطن الذي في رأسي يتأمل الحيازات الجديدة فليس فقط أن البلاد ليست لنا والتي ظلت فكرة ومشاعر يعززها تأسس فئات وكيانات تشجع على التمييز وتدفع بالأغلبية للحرمان، بل إن الأمر صار واقعا تترجمه موجة الاستيلاء على الأراضي والمباني بحجة مصادرتها من قبل نظام العقيد رغم ملايين التعويضات التي كانت إحدى صفقات التسوية مع فئة أخرى من الليبيين والذين بدورهم قرروا نهبها من جديد.

ولأن العلم َ نورٌ، عليكم معرفة هذا: في أول ظهور للتلاميذ والمعلمات بعد نهاية حرب 2011 في طرابلس، ابن جيراننا بالصف الثاني.. معلمتهم وعن سبب ثورة فبراير.. قالت: "لأن معمر كافر".

 

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي "هنا صوتك"