reporters - "الهوية الوطنية في ليبيا مجرد شعور رومانسي"

مفتاح كيافي يكتب*: ليبيا.. الكتابة الرديئة للتاريخ

أعتبر نفسي دائماً ليبياً محايداً، وهنا لا أقصد أنني محايد فيما يتعلق بالقضايا والأحداث الليبية القديمة والحالية، وإنِ تحفّظت على رأيي بخصوصها، فمشاهدة شلة من جنود الله الأجانب يحاصرون بيتاً في مدينة ليبية وينكلون بأهله، أمرٌ لا يحتمل الحياد في رأيي، ولا يحتمل إظهار جانبك العميق يا سي سارتر، إلّا إذا كنت قوّاداً، مسجلاً رسمياً في الأمم المتحدة. ما أعنيه هو كوني محايد في "ليبيـّتي"، ويستطيع أي ليبي الجلوس بجانبي "وفش عبرته" دون مقاطعة أو استنكار، أمنحه فرصة كاملة لتحقيق ذاك الانتصار الصغير الذي يعيش عليه وينمو به الإنسان في قريتنا الكبيرة.

وقد أبتسم بخجل وتحمر وجنتاي قليلاً عندما يبدأ بالهمز واللمز بخصوص بعض السيدات الليبيات، فأنت يجب أن تكون مستعداً نفسياً للحديث عن مؤخرة امرأة وحياتها الخاصة كلما تحدثت إلى مواطن طيب، حتى لو كان الحديث عن البطاطا المبطّنة، وكما علق أحدهم عند سؤالي له عن فتاة ليبية، قتلت في وسط الشارع وتحت شمس الله الساطعة: "قالوا كانت ماشية لصاحبها، بعيّصة ربك يستر علينا". حقيقة أنا محايد في "ليبيّتي"، لكنني أموت قليلاً كل مرة، كلما اقتحم أحدٌ ما أذنيّ بهكذا طريقة فجة وعنيفة.

وترقص له أذناي الصغيرتان على طريقة "الحجّالات" عندما يبدأ بسرد تاريخ ليبيا، عندما يخبرني عن جده الذي قضى على الطليان بالبندقية والبازين، وعن أجداد الآخرين الخونة والمتخاذلين، وعن تميز مدينته أو قريته أو قبيلته وأمجادها. وأنا لا أفعل ذلك لأنني ليبي كويس ومميز عن الآخرين، أعني الإنصات ومنح الفرص والابتسامات، بل لأن النفخ في قربة مشروكة فعل ساذج وأحمق، والضرب في الميت حرام جداً.

ولا أزعم أنني المواطن الليبي الذي يعرف تاريخ ليبيا الحقيقي، بل أريد أن أشير إلى معضلة هذه النقطة بالذات، أي الكتابة الرديئة للتاريخ، والتناول السطحي لأحداثه المجهولة والمعلومة، وما له من دلالات واضحة على حالة التشرذم وانعدام الهوية الجامعة، فكل مواطن جالس على "حيطة" في شوارع ليبيا لديه نسخة خاصة ومختومة من مجلس الأمن بتاريخ ليبيا، وكل نسخة من هذه النسخ تمجد حاملها وأجداده وحلفاءهم، وتعرض بقية الليبيين على أنهم خونة وأنذال أو أقل شأناً في أحسن الحالات، لذا تجد الأشوس - ذو "الكناتيرا" البرتقالية - اليوم ملتزم جداً بذكر التاريخ في حديثه، "التاريخ سجّلْ"، "التاريخ يسجّل"، الرجل يقود غزواته لأنه مقتنع بأنه يكتب التاريخ، وهو يفعل ذلك لأنه لم يعرف إلا الشكل الرديء الذي كتبنا وتناولنا به تاريخ بلادنا. وبسبب هذه الأزمة السخيفة لا تمر حقبة على ليبيا يكون فيها سكانها أمة من أي نوع، دائماً هنالك أشراف أبطال أحرار أشاوس ثوار محررون مجاهدون وشهداء من جهة، وأنذال حقراء خونة جبناء عملاء جيف متعفنة من جهة أخرى، لعبة المفاضلة بين الليبيين كانت ولا زالت دائماً متواجدة، على جميع الأصعدة، من نقاء العرق إلى قوة الزند وأنواع الكسكسي والعصبان.

أعرف أن المشكلة تتعدى هذا الشكل البسيط، وأرى أنّ الهوية الوطنية في ليبيا مجرد شعور رومانسي، أعني أن كل من يتغنى بحب ليبيا الواحدة من شرقها لغربها، بساحلها وصحرائها هو مجرد إنسان رومانسي لطيف، أو مجرد كاذب آخر يعرف أنك تحصل على ما تريد في ليبيا بالنفاق وحده، وأنا شخصياً لم أصدق ليبياً واحداً بهذا الشأن، فأن يقف أحدهم على منبر ساحلي ويعلن أنه يعشق زلّة وبراك الشاطي ويهتم لأمر أهلها حقيقةً له قول فاجر وكاذب لأبعد حد، فهذه "اللّيبيا" الشاسعة لم تحظ بهذه الفرصة التاريخية لسوء الحظ، أقصد فرصة العمل على تشكيل الهوية، وتوسيع مفهوم الوطن والمواطنة في عقل الإنسان الليبي، وهنا أعني البناء بالعمل الحقيقي والفكرة الناضجة وبتحقيق العدالة الاجتماعية التي تشعر الناس بالأمان تجاه بعضهم، وليس بالشعارات والأغاني السخيفة، التي لا تثير في المرء إلا رغبة ملحة في التقيؤ. "حلوة والله" واحد عايش بين المباني والكافيهات والمسارح والنشاطات الحكومية، ويستفيد من دورة المال الليبي تحت باطه، والآخر تائه في الصحراء على طريقة الأساطير، بلا أي نوع من الاهتمام من أحد، ولا أي شكل من أشكال الحياة الحديثة، ومن ثم يعلن الأول حبه الأبدي للأخير:

" I love you, hang in there habiby"

والمشكلة أنك إذا تحدثت عن ذلك، ستسمع تفسيرات سطحية ومعبأة بالقرف، من نوع "هظوما هذي حياتهم، ما يعرفوش غيرها، ونحن اللي بنينا مدننا ومقاهينا"، فأخونا المتواضع يظن أنه سويسري يطبع الفلوس في بيته، أو وصف البقية بالمتخلفين والغير متمدنين مثله وبقدر صبابيطه المذهلة، المتحدث بالطبع يكون – في العادة – حفيداً لميشيل فوكو وولد خالة ستيف جوبس "راس". ولا أريد أن أتحدث عن عنصرية اللون والعرق لأنها فتنة "سودة نودة"، وأنا لا أحبذ استفزاز مواطن يمتلك كلاشنيكوف وبضع قنابل.

لا أريد أيضاً أن أظهر وكأنني ضد رومانسية شعبنا وحبه لبعضه، على العكس تماماً، فلنكن رومانسيين، على شرط أن نكون رومانسيين لأبعد حد، هكذا على طريقة غاندي وبقية الحالمين السخفاء، وقتها فقط قد تتفوق الرومانسية على العمل، خصوصاً أنّ هذا العالم الكبير المتوحش ليس جاهزاً هو الآخر لمنحنا فرصة العمل. وسأمنحك نصيحة مجانية لتبدأ رحلتك الرومانسية هذه:

"ابصق عزيزي، ابصق كلما سمعت ذكر قريتك أو مدينتك، واعلن على الملأ أنّ التخلف والتعصب ينهش عظمها وإنسانيتها، فهذه حقيقة أؤكدها لك من هنا، واستغن عن انتصاراتك الصغيرة واتركها للميئوس من صلاحهم، ونم على بطنك إذا لزم الأمر، أعني إذا كان ذلك سيجعلك أقل شعوراً بالغضب والكراهية وينقذ حياة إنسان آخر"

وكل "قرضابية" وأنتم بخير.

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي "هنا صوتك".