أيمن بدر كريّم يكتب: كيف يتسبب التعنيف الأُسَري في اضطرابات النوم؟

تزايد الاهتمام الحُقوقي المجتمعي بالتعنيف الأُسَري في المجتمع السعودي نتيجة انفتاحه الثقافي المضطرد عن طريق استخدام أفراده وسائل التواصل الاجتماعي والتقنية الحديثة، وتنامي الوعي بالحقوق الإنسانية خاصة لدى فئة النساء، وطرح كثير من القضايا الاجتماعية لنقاشات مفتوحة، واتساع مساحة "هامش الحرية" المُجتمعية مما ساعد على تسليط الأضواء على بعض المشكلات المرتبطة بسلوكيات العُـنف السلوكي والفكري التي يتعرض لها كثيرون، في ظل ترحيب الجهات الرسمية والإعلامية بإيجاد حلول متوازنة لها.

ويأخذ العُنف الأُسَري أشكالا منها: اللفظي الجارح، والجسدي المؤلم، والنفسي المدمر، إضافة إلى الجنسي المقزز الذي يضاعف من الآثار السلبية النفسية والسلوكية. ومع الاهتمام العلمي باضطرابات النوم بمختلف أنواعها، وتنامي أعداد المصابين بها في المجتمعات المدنية الحديثة، نتيجة عوامل عضوية وسلوكية ونفسية كثيرة، تنبه التربيون والمختصون إلى حقيقة أن التعنيف الأُسَري مرتبط بالإصابة باضطرابات نوم يتعرض لها عدد غير قليل من النساء والأطفال على وجه الخصوص.

فنتيجة تعرض كثير من النساء والأطفال لإساءة التعامل من قِبـَل ذويهم، وتكرر تحمّلهم أنواع التعنيف والقهر الإنساني والحرمان من الحقوق الإنسانية المكفولة أخلاقا وشرعا، دون وازع ولا رادع من بعض الرجال والأوصياء، تنتشر لدى هذه الفئات فرط القلق والتوتر العصبي والاكتئاب، بأعراضه صعوبة النوم وكثرة التململ أثناء الليل، والحرمان من التعرّض لمرحلة النوم العميق بشكل جيّد بوصفها مرحلة ضرورية لإعادة تأهيل الجسم واستعادة عافيته وصيانة أعضائه، فضلا عن المعاناة من أرق بداية النوم، والاستيقاظ في وقت مبكر جدا دون أسباب واضحة ثم عدم القدرة على العودة للنوم، مما ينعكس سلبا على النشاط الذهني للمُتعرِّض للتعنيف أثناء النهار، ويؤدي إلى خـُموله الجسدي والنفسي، والشكوى من آلام المفاصل والعضلات واضطرابات الشهية والجهاز الهضمي إضافة إلـى شعوره بالحزن والإحباط واضطراره لسلوكيات العنف المضاد والتنمّر الموجّه لغيره. ومن الملاحظ إصابة بعض المُتعرّضين للتعنيف الأُسري بفرط النوم كردة فعل نفسية جسدية، فغياب عرض الأرق لا يعني بالضرورة عدم الإصابة باضطرابات المزاج في هذه الحالات.

وفي خضم الصراع شبه اليومي مع اضطرابات المزاج التي تصيب المُعنّفات، تعتاد إحداهن على بعض السلوكيات الخاطئة المصاحبة للنوم، مثل: الخوف من عدم قدرتها على النوم الهادئ، والقلق من تسلط غيرها عليها، والإفراط في تناول المنبهات، واختلال مواعيد النوم والاستيقاظ، إضافة إلى التدخين، وكثرة التفكير، ومتابعة الوقت عند الخلود للنوم، مما يزيد من إفراز هرمونات التوتر كالكورتيزول والأدرينالين، فتدخل إحداهن في حلقة مفرَغة من التوتر والأرق المزمنين، أو مايسمى باللغة المتخصصة (الأرق المزمن السلوكي المُكتَسب).

وقد تسيء إحداهن استخدام بعض الأدوية المـُتداوَلة التي تُصرف دون وصفة طبية بـهدف التخلص من الأرق، كمضادات الـهستامين والاحتقان، وهي لا تساعد بالضرورة على النوم الجيد، بل يمكن أن تؤدي - بحد ذاتـها - إلى التأرق خلال الليل والخمول أثناء النهار. ومن أكثر مضاعفات التعنيف الأُسري لدى الأطفال، تعرّضهم إلى كثرة الكوابيس الليلية، والتبوّل الليلي اللاإرادي، كردة فعل على حدة التوتر ورداءة النوم والشعور باليأس والعُزلة.

وإضافة إلى علاج أصل مشكلة التعنيف الأسري، وسن القوانين والأنظمة المجتمعية التي تكفّ أيدي المعنِّـفين بشكل صارم، وتدريب المختصين النفسيين والاجتماعيين على رصد حالات التعنيف بين طلبة المدارس وغيرهم، يمكن لاضطرابات النوم الناتجة عن اضطرابات المزاج والإساءة والتعنيف، أن تُعالج بالوسائل السلوكية والتربوية والتأهيل النفسي، فضلا عن تناول العقاقير المضادة للاكتئاب كمحفزات السيروتونين، أو المهدئة والمنومة لفترة قصيرة أو متقطعة، تحت إشراف طبيب مختص، لتحسين المزاج، والمساعدة على الاستجابة للعلاج السلوكي وتخطي الأزمة النفسية.

*مقالات الرأي تعبر غن وجهة نظر كتابها، ولا تعبر عن وجهة نظر "هنا صوتك".