"ابن قصي" يكتب: حياة مثلي سعودي - الله لا يكرهنا

منذ سن التاسعة بدأت أشعر بالانجذاب نحو الجنس نفسه، شعور يأتيني من فترة وأخرى عندما أنظر إلى إعلانات كالفن كلاين ولاعبي الكورة. بقى هذا الانجذاب غير مفهوم لطفل لم يتجاوز عقده الأول. ومع فترة البلوغ بدأت مرحلة الاستكشاف متزامنة مع نمو الأعضاء الجنسية، عندئذ بدأت الأسئلة تتكاثر بذهني وعندما طرحتها تلقيت الإجابة: "حرام.. مخالف للفطرة... فترة مؤقتة.. مكانكم جهنم".
 
وبعدها بدأت مرحلة العذاب بين شهوة منعدمة تجاه الإناث وعارمة تجاه الرجال، وبين ما سمعته وقرأته عن المثلية في المدرسة. بدأت بقراءة الكتب والروايات مثل الحب الممنوع لبراين وايتاكر، ومع ثورة الانترنت بدأت أقرأ مقالات وبحوث عن المثلية الجنسية من وجهات نظر مختلفة، وواحدة من فوائد ثورة الشبكة العنكبوتية هي مشاهدة الأفلام والمسلسلات الغربية مثل كويرز آز فولك، بريرز فور بوبي، وهذا ما أتاح لي أن أطلع على عالم آخر غير عالمي، عالم يستطيع فيه الرجل أن يعقد قرانه على شريك يختاره لحياته، عالم لا يعتبر أن ميوله الجنسية جريمة ومخالفة للفطرة. مرت سنوات أخرى قبل أن أتصالح مع نفسي ومع ميولاتي الجنسية التي أصبحت فخورا بها، وآمنت أن "الله لا يكرهنا"،  لأنه لا يعقل أن الله خالق السماوات في سبعة أيام يضايقه وقوع شخصان من الجنس نفسه في الحب.
 
أغلبية المسلمين المعارضين للمثلية الجنسية يستدلون بحادثة قوم لوط والعقاب الذي أنزله الله عز وجل عليهم، ويتمسكون بهذا التفسير متجاهلين التفاسير الأخرى التي ظهرت في الآوانة الآخيرة  على يد أكاديميين وأئمة مقييمين بأجزاء مختلفة من العالم  الغربي. هؤلاء متفقون على أن السبب الرئيسي لعقاب الله لقوم لوط هو السرقة وقيامهم بالاغتصاب في آن واحد. في الشرق الأوسط حركة التفسير الفقهية مجمدة ولا زلنا نعتمد تفاسير الأئمة الأربعة والكثير ليس لديه الجرأة لطرح تفسير لحياتنا المعاصرة. شعرت باليأس مرات عديدة، أولها، بعد أن تقبلت ميولي الجنسية اكتشف أن مساحة حريتي في الواقع ضئيلة جدا ولا تتعدى حدود غرفة النوم، وحريتي في العالم الافتراضي واسعة مادمت لم أكشف عن هويتي. أن تبلغ من العمر سبع عشرة سنة وأن تكون ميولك الجنسية مختلفة عن البقية، فذلك يجعل محاولة تثبيت قدميك على الأرض صعبة جدا، ومحاولة البحث عن أماكن لتحديد مواعد عاطفية صعبة جدا، وهذا ما دفعني لاحقا إلى البحث عن مثليين في العالم الافتراضي.
 
في السابق  كنت شخصا خجولا وغير اجتماعي،وفي العالم الافتراضي يختلف الأمر. العالم الافتراضي هو عالم بين يديك، تخلق حياتك وتنهيها بضغطة زر "ديليت"، لذلك أمامك مخارج عديدة للخروج، ولكنه أيضا سلاح ذو حدين يمكن أن يجلب لك الفائدة أو الأذى في نفس الوقت.  حاولت طرح موضوع المثلية الجنسية وموقف الإسلام منه كموضوع للنقاش على شبكات التواصل الاجتماعي، وحاولت إشراك الجميع بالحوار (كتاب..مفكرين..)، ووجدت أن الأغلبية  من الأشخاص العاديين والمعروفين تتجاهل تماما الخوض في الموضوع،  والباقي منهم المعارض والمؤيد ومنهم يكتفي أن بالتعليق أن الميول الجنسية شأن شخصي يخص الشخص المعني، والخلاصة أن كل من يدعي أنه تقدمي، هم أكثر أشخاص يعارضون المثلية، ولكن للحفاظ على على صورتهم الانفتاحية يصطنعون تقبلك.  
 
البحث عن الحب صعب في مجتمع تقليدي ويخضع لقوانين صارمة، الخيارات قليلة والمساحة ضيقة، الرياض ليست نيويورك أو بلد غربي، المثلي في السعودية ليس المثلي في نيويورك، كيف نبحث عن الحب إذا كنا نخاف من خروج هوياتنا إلى العلن، ويتم فضحنا أمام أهالينا. المشهد الثقافي المثلي في السعودية حديث الظهور ولم يتكون بعد. العلاقة المثلية بين السعوديين سقفها منخفض؛ بدايتها معلومة ونهايتها معلومة ليس هناك طريق آخر مثل أن يتم تتويجها بالزواج. أفضل الدخول في علاقة مع شخص من بلد يكفل حقوقنا المدنية من حق الزواج والعلاج، أن تكون مثلي الجنس في السعودية هو أن تضع قناعا أمام الجميع، أمام أهلك، أصدقائك في مكان عملك، ولا يبقى لك إلا فسحة من الوقت تتيح لك أن تكون على طبيعتك. في السعودية لا يوجد إحصائية مثبتة حول عدد المثليين ولكن أنا متأكد أننا نشكل نسبة تبدأ من الربع ولاتزيد عن نصف سكان المملكة.
 
هناك عدة أسئلة أطرحها على نفسي بين فترة وفترة حتى أرى تطور إجابتي على هذا السؤال، منها هل أنا مسلم؟ هل أنا أحب السعودية؟  السؤال الأولى نشأتي في السعودية جعلتني أعتقد أن اعتناق كل معتقد مخالف تجعلك خارجا عن الإسلام، واكتشفت لاحقا أنه إن  خرجت عن الإسلام السعودي فإنني لم أخرج عن الإسلام دين الرحمة. هل أحب السعودية؟ أعتقد أنه حتى تحب شخصا أو بلدا  يجب أن توجد مشاعر نحوها، وأنا لا أحمل أية مشاعر تجاه السعودية وهذا يجعلني لا أحب  بلدي، يمكن لأن هذه الأرض لم تبادل شعبها الحب، جعلتنا ضيوفا في أرضنا، أو ربما لأن قوانينها لا تعترف بنا. أريد استكشاف العالم، أريد أن أكون على طبيعتي، أن أذهب للنوم دون أن يكون هناك خوف يؤرقني من المستقبل. مرحلة العيش في السعودية قاربت على الانتهاء، والمرحلة القادمة ستأخذ موقعها خارج حدود شبه الجزيرة العربية. 
 
*الكاتب  شاب سعودي يكتب تحت الاسم المستعار "ابن قصي".  مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي إذاعة هولندا العالمية.