Reporters - منذ العشرينيات وإلى يومنا هذا، لا تستطيع امرأة ليبية الجلوس في مقهى، فالمكياطة كما الفياغرا للرجال فقط..

مفتاح كيافي يكتب: ليبيا.. ومن الحب ما قتل

أنا مواطن من مدينة ليبية. أحب مدينتي بطريقتي الخاصة وأحس فيها بالألفة، وقد أتبرع لها بقصيدة شعر عندما تحاصرني الغربة، لكن ذلك ليس تصريحاً لي بالوقاحة ولا سفك الدماء، ولا يجلب لذهني فكرة كونها مدينة مميزة تماماً عن بقية مدن ليبيا وقراها، أو أنّ سكانها رائعون وأخيار دوناً عن البقية، أو أنّ لهم الحق في الاستيلاء على حكم ليبيا وأموالها. الفكرة سخيفة جداً ووقحة، لكنها حقيقية للأسف، أعني أنّ معظم من التقيتهم يؤمنون بأنّ مدنهم مميزة وعظيمة ويحق لها كل شيء، ليس فقط بالنسبة لليبيا، بل العالم أجمع، المهزلة أممية كما ترون أعزائي.

ربما هو كذلك  في بقية العالم، أما في ليبيا فمن هذا الحب بالذات تبدأ المصائب.

حبك لمدينتك أو قريتك ما هو إلا حب للعادة والاستقرار، حب لذكريات الطفولة، لأول لحظة حب بريئة، لملامسة قدميك الحافيتين لإسفلت شارعكم البارد، حبٌ لرائحة بيتكم المميزة، رائحة توابل أمك وعطورها، رائحة عرق أبيك الراجع من شغله للتو. ذلك الشعور بالألفة والأمان، قد يصعب عليك وصفه لكنك بلا شك تحسه بكل وضوح ودفء.

تستطيع أن تشتم ليبيا وأهلها أمام أحد مواطنيها وتقول متحاملاً: "ليبيا فاشلة. الليبيون فشلة وعنصريون. ليبيا عاهرة جاهلة"، سيردد وراءك: "آمين". لتجرب مرة استبدال كلمة ليبيا بقرية أو مدينة ما، لتعرف حينها شعور الموت بالحرق حقاً. وكما قال ناشط عظيم مرة: "ما تبالغوش في حب ليبيا، حبّوا مدنكم، أنا عندي مدينتي أهم من ليبيا". فليحفظك الرب عزيزي الناشط، لقد اشتقت لعارك الفيسبوكي. نحن بالطبع ليبراليون جداً عندما يتعلق الأمر باستخدام كلمة "مدينة"، فكل تجمع سكاني في ليبيا اسمه مدينة، يكفي فقط أن تكون نساء هذا التجمع ولودات ليكبر ويصبح مدينة، بالرغم من كونها تجمعات عرقية وقبلية تعيش على أرض أجدادها، أعني لم تتغير تركيبتها السكانية أبداً، لكننا نسميها مدناً لأنها ألطف وأسهل نطقاً من كلمة "قرى". ومن الظواهر الممتعة لتمدننا وعمقه أنه خارج طرابلس وبنغازي– منذ العشرينيات وإلى يومنا هذا- لا تستطيع امرأة ليبية الجلوس في مقهى، فالمكياطة كما الفياغرا للرجال فقط.

وهذا كله ينعكس بالطبع على أي حراك "سياسي" أو "ثقافي" في ليبيا، فالجميع يعرف أن قادة أي حراك لا يجمعهم فكر ولا بطيخ "مبسمر"، بل يجمعهم المكان أو تحالفات الجاهلية، أعني أن الحراك يعلن عنه من مدينة ما وفقاً لتوجهاتها ومصالحها أو لمجرد التباهي وقتل الوقت، بالرغم من ديباجة البيان التي تتغنى بالوطن والديمقراطية والكرنكاطية. كل من جمعتك به فكرة في ليبيا، قادر على أن يتخلى عنك عندما يتعلق الأمر بمدينته وسمعتها وشرفها. الموضوع بهذه البساطة. فالانتماء للمدن والقرى في ليبيا هو أيديولوجية متكاملة الأركان، لا تسمح أن تزاحمها أيديولوجية أخرى، سواء كانت الأخيرة داعش أو الأيديولوجية الوطنية.

وفقاً لما سبق، أي بما أنّ الجميع يتبنون وجهات نظر وفقاً لانتمائهم المكاني أو العرقي، ما الحل في رأيكم؟

ذات ليلة، كنتُ سهراناً مع بعض الأصدقاء الجيدين في إحدى المدن الليبية، وقد انضم إلينا فجأة بعض معارفهم. دخلوا علينا بزجاجات الـ"براندي" والنبيذ الإسباني المعتق. همس لي أحد أصدقائي أنّ الشخص المقابل لي هو قائد الغزوة "X" الشهيرة، وقد كان شخصاً لطيفاً كمعظم الليبيين عندما لا تعرفهم جيداً. سألني قبلها: "من وين انت؟"، قلت: "من بنغازي"، "أووه بنغازي الشرارة، المدينة المتمردة، اللي ياما تعبت القردافي".. هكذا ردّ هو. طبعاً أنت لا تعرف كيف ترد على هكذا كلام مليء بالنوايا الطيبة، بغض النظر عن محتواه، فردك بـ "شكراً، هذا من لطفك"، لا يليق بالمقام ولا يرضي المخاطَب، لذا اتبع البروتوكول الثورجي دائماً، ارفع كأسك وقل: "الله وكبر يا تريس، الله وكبر على ....."، وضع اسم مدينته ولقبها الثوري مكان النقط. عجول تلحس مؤخرات بعضها بعضاً لا أكثر، "احشيني ونحشيك" بالليبي.

استغللت فرصة انسجامه مع أغنية لبروس سبرنغستين لأعلمه أنني أريد أن أطرح عليه بعض الأسئلة، "ما فيش مشكلة، لكن راهو ثقافتي على قدي".. رد هو مبتسماً.

"هل تكره أهل تلك المدينة التي غزوتها؟"... في تلك اللحظة صمت الجميع وعلى رأسهم السيد سبرنغستين.

احمرّ وجهه قليلاً وضحك بخجل وقال: "Yes".

شكرته لصراحته ومن ثمّ سألت: "ليش باهي؟".

"تربّينا على كرههم، معروفة من زمان".

"وانت شنو رايك في موضوع التربية على الكراهية؟".. قلت سائلاً.

رد هو: "حتى همّا يكرهونا، يعني ما همش ملائكة".

"أعرف ذلك جيداً، وأعرف أن في كل مدينة تقريباً هناك غريم تاريخي يُغرس الحقد تجاهه. هل رأيت صور الأطفال المتفجرة رؤوسهم؟ أستطيع أن أريك إياها الآن إذا أحببت!".

ومن نظراته عرفت أنّه قد رآها سلفاً، وأنني قد أفسدت سهرته كلها.

"أنا والله نادم، نادم عالموضوع كله، ولو رجع بيا الوقت ما كنتش انديرها."

انتهى الحوار.

كلّ ما أردت قوله: ربما الحل في الـ"براندي" حفظكم الله.

*مقالات الرأي تعبّر عن وجهة نظر كتّابها ولا تعبّر عن رأي "هنا صوتك".