مايسة سلامة الناجي تكتب: عفاريت وادي "الشراط." ومحاربة الفساد بأكبر كراطة

2014، سنة غرق مواطنون غارقين في الوحل وحملت جثثهم في شاحنات الأزبال، بينما الإعلاميون يستمتعون بالمؤتمرات الحقوقية في فنادق خمس نجوم يناقشون حق الشواذ في أن يحبهم الشعب المغربي ويحترمهم غصبا عنه. سنة صعق المغاربة بأخبار موت سياسييهم في حوادث لا محل لها من الإعراب، بينما كان برلمانيونا الموقرون يتباحثون في السر عن طريقة لتوريث معاشاتهم بعد وفاتهم لأسرهم باش خير الشعب ما يمشي لغيرهوم!

سنة ناقشت فيها حكومتنا الموقرة كيفية مماطلة محاسبة مفسد وإقالته، بينما شردت 1012 عائلة أو ما يقارب 5 آلاف مواطن بتزنيت، انهار 177 منزلا بطاطا وقرابة 700 منزل بورزارات مع انقطاع الطرقات، بات مواطنون من إقليم إنزكان أيت ملول في العراء بسبب العزلة، وأعلنت ڭلميم مدينة منكوبة بعد موت العشرات من المواطنين.. مات مواطنون بإقليم الحوز، تم إخلاء أزيد من 100 مواطن بآيت ورير، فاضت أودية على ساكنة فڭيڭ وتسببت في انهيار منازل وموت مواطنين.. انهارت قناطر بالملايين لم يمر على تشييدها أكثر من عام.. غرق ملعب بسبب صفقة عشب مغشوش أمام أنظار الإعلام.. والدولة سائرة في سياسة الضيافة والطبل والبندير من مؤتمر إلى مهرجان آخرها قدوم "ساركوزي" إلى مراكش لأجل الاستجمام.

وبين هذا وذاك وفي غفلة منا جميعا، كان ابن "الطيب الفاسي الفهري" وزير الخارجية السابق والمستشار الملكي الحالي المدعو "ابراهيم الفاسي الفهري" ينعم بالفندقة المجانية على البساط الأحمر في مهرجان مراكش السينيمائي.

ولا أحد يعلم، في ظل موت ممثلينا المغاربة وفنانينا في ظروف بئيسة كئيبة مزرية، ما علاقة ذاك الجمع الدولي لتبذير المال على السينيمائيين والفنانين العالميين.. بمؤسسته العديمة النفع "أماديوس" التي تجمع كل سنة "شياطة" الصهاينة وأراذل السياسيين ليتحدثوا في لاشيء ويخرجوا بلاشيء ويوظفوه في لاشيء تحت اسم "التينك تانك" أو مؤسسة إيجاد الحلول الفكرية.. هذه المؤسسة التافهة التي تم حلب رأسمالها من جيوب الخليجيين حين كان يستغل دار باه القديمة (وزارة الخارجية المغربية)، وحين كان باه "الطيب" ينتفع بمنصبه كوزير خارجية وبعلاقاته الديبلوماسية ليدبر لابنه فرصا للتسول الراقي من أثرياء "الشماغ والزيرو" ليضيف أصفارهم على يمين حساباته البنكية.. كلقائه مع الأمير "الوليد بن طلال" بوساطة "المصطفى بلحاج" القائم بالأعمال بالنيابة لسفارة المغربية بالسعودية.

نعلم جيدا أنه حتى في الدول المتقدمة توجد الحكومة المحكومة من طرف لوبيات الضغط التي تتسلط بما لديها من نفوذ ومال، وتفرض من السياسات ما يحافظ على مواردها وفوائدها وأرباحها وتواجدها، وهو ما يسمى عندنا في المغرب ب"الدولة العميقة، ونعم أيضا أنه حتى في الدول الديمقراطية يوجد قضاء الأظرفة والوساطة وسياسية التخويف والترهيب وتشويه السمعة للإخضاع أو ما يسمى عندنا "المخزن". ولكن حتى مع ذلك تجد أن الطبقتين المتوسطة والكادحة في تلك الدول المتقدمة يحظيان على الأقل باهتمام من الدولة يبقيهما فوق خط الفقر والحاجة، فقط بالميزانيات المخصصة لمشاريع التنمية والتغطية الصحية والمدرسية والأسرية.. وتجد بنية تحتية محترمة وبينية فوقية راقية وبوادي معتنى بها.

 

في دولتنا، لا توجد فقط نخبة المحتكرين الإقطاعيين ومافيات المال والبزنسة ، الخفية عن الأنظار، إنما ـ وهي مصيبتنا العظمى ـ تجد أيضا الوزراء والمسؤولين الصغار الذي يشتغلون في الواجهة بوجوه مكشوفة للإعلام، الذين من المفروض أن يتعاملوا مع ميزانية الشعب القليلة المخصصة لتنمية ظروف عيشه وحفظ مستواه فوق خط الفقر بقليل من المسؤولية والالتزام، تجدهم أيضا سارقين مرتشين يعبثون بتلك المبالغ الهزيلة وتلك المشاريع الاجتماعية وتلك الميزانيات الموجهة إلى الفئات المهمشة للاغتناء.. فيضعون نصفها في جيوبهم وربعها لإسكات الأفواه الجائعة من حولهم لتصمت، وربعها لإقامة ربع مشاريع مغشوشة مشوهة درء ا للمساءلة والغضبات الملكية.. فلا بنية تحتية أصلحت ولا طرقات جهزت ولا ملاعب هيئت ولا مدارس شيدت ولا مستشفيات فتحت، بل وتزيد الأوضاع سوأ على سوء..

 

ولا يخجل هؤلاء المسؤولون من صغار البزناسة الشفارة في مواجهة الشعب بكل التسنطيح اللازم لتبرير مواقفهم وتغيير أقوالهم وإلقاء اللوم على بعضهم والشعب غارق في السيول والديون إلى يوم الدين! سبب تخلفنا وقبوعنا في ذيل الأمم هم هؤلاء النصابة الذين صوتنا عليهم لمحاربة الفساد فطبعوا معه وأصبحوا يسترزقون من فتاته (ولا أعمم.. إنما الأمثلة واضحة للعيان) والذين وضعوا كرها فينا أمام وجوهنا ليدبروا أمورنا فنهشوا لحمنا والآن "يمصمصون" العظام!