ANP - أبو جهل في لغته العربية القريشية الرصينة

عفراء جلبي* تكتب: أبو جهل يركب سيارة كاديلاك

قام ابو جهل، وتمشى عبر التاريخ، وقرر أنه سيركب سيارة كاديلاك واشترى تلفون خلوي، آخر مدويل غالاكسي. وقرر أيضا بأنه سيدفن النساء، ويعذب المساجين، ويستغل الخادمات الأندونسيات.

قابلناه وهو يقفز فوق عدة بلدان عربية. قهقه كثيراً عندما حاولنا أن نشرح له أن الحياة تغيرت وأن الرق انتهى وأن المرأة مساوية للرجل، وأن الأطفال هم بشر بكامل إنسانيتهم، ولا نستطيع ضربهم أو أذيتهم. صرخ في وجهنا وقال لنا إنه هكذا وجد آباءه وهذه عاداتهم وهذه قبيلته قريش، وهذه أفضل الطرق للحياة. لكن عندما تساءلنا لماذا لا يركب جملاً، ويستعمل الحمام الزاجل للتواصل مع معارفه، زعق في وجهنا. وقال: "ويحكم يا حمقى!" هذه أموالي أشتري بها ما أشاء من السوق وأفعل بها ما أشاء بعبيدي. وما دخل عاداتي وتقاليدي بسيارة وتلفون.

كان هناك حجاب بيننا وبينه، ولم نكن قادرين على التواصل معه. ولكن الخادمة الأندونسية والتي وقفت والدمعة في عينها خلفه فهمت كل شيء رغم أن عربيتها مكسرة. أبو جهل الفطحل في لغته العربية القريشية الرصينة لم يفهم شيئاً مما نقوله. كان يتحدث العربية ولكنه كان منفصلا عن واقعنا وحياتنا وعصرنا ومشاكلنا وحلولنا وإنجازاتنا على الكوكب بعد أثمان كبيرة وعذابات أليمة دفع ثمنها كثير من شعوب الأرض. كانت الأندونسية تفهم كل شيء. لم يكن يهمه شيء مما حدث خلال ألف وأربعمائة عام.

اكتشفنا أنه كون مجموعات، كما كان يفعل سابقا لملاحقة الشباب والشابات في الشوراع وفي أيديهم العصي كما كانوا يفعلون زبانيته في مكة سابقاً، لكن المشكلة أنه سماها حاليا مطاوعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قالت له شابة: أنت لم تدخل الإسلام في حياتك، ومتّ ميتة الجاهلية".

صرخ بأعلى صوته. أيتها الفاجرة! أنا أسلمت بعد الممات! ألا ترين عمامتي السوداء؟! تفاجأت المرأة من عدم تردده في السباب والرمي وانتهاك أحد الموبقات السبعة. كان يبتسم بسخرية وهو يشير للعمامة والعباءة وكأن الملابس هي ما يصنع الإسلام.

ردت عليه: "ولكن ما قلته يخالف الإسلام ويعتبر قذفاً وله عقوبته وعواقبه، وتسقط الشهادة لمن يسبّ ويرمي النساء".

قال بدون تردد: "أنت امرأة، وهذا يعني أنك ناقصة عقل ودين. وأنا قررت أنك كافرة وما قلته أنا ليس قذفا بل وقوفك هنا خارج بيتك هو الكفر، وهذا ما تستحقينه أيتها المرتدة".

قالت: "كيف استطعت أن تبيح لنفسك استعمال أدوات عصرنا بينما لا تقبل بدخول عصرنا، وترفض أن تطلع على ما أنجزته الرحلة البشرية ليس فقط في آيات الكون المادي ولكن في آيات الأنفس والمجتمعات أيضاً". جحظت عيناه، وصرخ: "إن تابعت كلامك فسيأتي من يعتقلك هنا في هذه الساحة ويضعك في سجن يليق بأمثالك من خونة الوطن. ثم أضاف، نحن دخلنا العصر، لقد تطورنا وصار عندنا سجون وأدوات كهربائية جديدة لتعذيب الخارجين عن الطاعة. وعندنا الكمبيوترات لجمع كل المعلومات عن المواطنين والمواطنات غير الصالحات".

سكت برهة ثم تابع بضحكة كبيرة: "ويحك، إنك صبئت عن دين آبائك، ونستطيع الحكم عليك بدون محاكمة، فأمرك لا يحتاج لتدقيق".

كنا نقف مذهولين. لا نعرف إن كان يعمل مع الأنظمة أو مع داعش. لكنه كان يصرخ، أنا عندي الدين والدنيا. أنا عندي الدين والوطن. أنا أملك مفاتح كل شيء.

أسلم بعد الممات؟! فعلاً كان إسلامه يشبه الموت في كل شيء، وكانت رائحة الغبار تتصاعد منه. وكانت بعض أطرافه قد تآكلت. وفعلا كان غياره يشبه الوطن بعد أن نخره الاستبداد وأتى عليه.

اكتشفنا أنه يعمل مستشاراً دينياً عند كل نظام عتيد في المنطقة. وأنه صديق الخليفة الأعظم، ويتنقل بين الإمارات والأمصار الإسلامية كلها، والأدهى أنه أحيانا يلبس عمامة بيضاء وأحيانا سوداء لأنه ينصح السنة والشيعة على حد سواء وأحيانا يلبس "كرافيتة". فهو مستشار حسب طلب أي طاغوت.

اقتنعت تماماً أني في كابوس من الخيال العلمي، وصرت أحاول أن أوقظ نفسي كما أفعل عادة. لكني لم أنجح. واكتشفت أني أعيش في الواقع، وأن إسلام محمد بن عبد الله هو الذي قد تحول إلى منام جميل يراه معظم الناس في خيالاتهم الرومانسية. لأننا صرنا في عصر يرى الناس فيه إسلام العدالة والإحسان وتزكية النفس بأنه غارق في المثالية وغير قابل للتطبيق أو العيش بنهجه، وأنه صالح فقط للأنبياء المدعمين بالملائكة وما نحن إلا بشر (مدعمين بالشر والشياطين).

*مقالات الرأي تعبّر عن وجهة نظر كتّابها، ولا تعبّر عن وجهة نظر "هنا صوتك".