سوريا: طوائف فرّقتها الحرب وجمعها مقام المسعود بن هاني

اللاذقية- يوسف جلال- على باب مزار المسعود بن هاني المقدس دعوة لعموم المؤمنين لترك المقاصد الدنيوية والدخول بقصد التقرب من الله وحده. يقع المزار على الشاطئ الشمالي لمدينة اللاذقية، والمحاذي لمدينة أوغاريت الأثرية. اجتمعت على تقديسه جميع الطوائف الإسلامية في سوريا. يصفه جيرانه في القرى المجاورة أن البركة حوله و في مياه شاطئه.

من هو المسعود؟

"المسعود بن هاني صحابي جليل، ويتبع لآل بيت النبي محمد ، والدته الصحابية أم هاني ابنة عم النبي و أخت الإمام علي بن أبي طالب. وبحسب المؤرّخين استشهد المسعود أثناء الفتوحات الإسلامية للمنطقة، ودفن في هذا الموقع ،هذا ما جعله قبلة للزوار من كافة المحافظات السورية، ومن الخارج أيضاً، هكذا كان الأمر قبل الحرب. الآن يزوره سكان اللاذقية، والنازحون إليها من المدن السورية الأخرى" ،يقول بدر الحلّاج خادم المقام.

الأمس واليوم

يتابع بدر: "ورثت خدمة المقام وأخوتي عن والدي الذي ورثها من أجداده، مستعينين بمنزل صغير في ساحة المقام. منذ ثلاثين عاماً كانت ساحته لا تخلو من الزوار الذين يأتون لإيفاء نذورهم، والتبرك به. كانت تقام الحفلات في الأمسيات. يتقاسم الناس على اختلاف انتماءاتهم الطعام والفرح. تقرع الطبول وتنشد الأهازيج، وتنام الأسر القادمة من مناطق بعيدة في الغرف التابعة للمقام. والتي لم يعد لها وجود اليوم، بسبب تغير العادات و التقاليد. اليوم تقتصر الزيارة على وقت قصير مع قلة النذور بسبب الظروف المادية التي خلفتها الحرب".

التل الأثري والميناء

كل الأماكن في المنطقة اكتسبت اسمها من المقام المقدس."المسعودية" قرية الصيادين المجاورة للمزار، ومسجد المسعود بن هاني الملاصق له، والرأس البحري "رأس بن هاني" والتل الأثري أيضاً.

"لكن تاريخ المنطقة قديم جداً. أول إشارة تاريخية تحدثت عن مقام ابن هاني تعود إلى بداية القرن الثامن عشر، إلا أنه في جوف الشاطئ البحري المقابل للمقام بقايا سفينة فينيقية، وهي شاهد على مدى عراقة المنطقة، إضافة للتل الأثري الذي كشف عن مدينة فينيقية تشبه مدينة أوغاريت، وتقع في الجهة البحرية الغربية المقابلة لها"، يقول عماد أستاذ التاريخ والفلسفة في المنطقة. ويتابع: "هنا يمكن للزائر أن يشعر بالصفاء الروحي، ويفضل الكثيرون قضاء الوقت في الميناء القريب من المقام".

البركة في المحبة

محمود، شاب من الطائفة العلوية، يزور المقام باستمرار، يقول محمود: "نقيم حفل ديني رمزي سنوياً في قرية دمسرخو القريبة من المنطقة، ندعوه حسنة ابن هاني، تقوم النساء بطهي النذور في قدور كبيرة، بينما يصلي الرجال جماعة. ثم يوزّع الطعام على الجميع، وخصوصاً المحتاجين، ولا يهمنا الانتماء الديني للشخص الذي يشاركنا، بل على العكس فمن الرائع أن يجمع هذا المكان بين الناس على اختلاف طوائفهم، والأجمل أن يتشاركوا بركة الحسنة".

" بعد أن ظن الكثيرين أن التنافر الطائفي أصبح ظاهرة طبيعية في المجتمع السوري، فإن مقام المسعود ينفي هذا الظن" ، يقول مصطفى، أحد زوار المقام الدائمين، يتابع : "أنا من الطائفة السّنية، أشعر بالمحبة والأمل حين أقرأ الفاتحة إلى جانب ضريح المسعود، وهناك أخوة إلى جانبي من طوائف أخرى يقرؤونها، عندها أعلم أن الاختلافات بين الطوائف هي أوهام فقط".