المغرب: تجارب مسرحية شبابية من أجل التغيير

الرباط: عماد استيتو – خلال الأشهر الماضية خفت صوت الاحتجاجات والمظاهرات الشبابية في المغرب، إلا أن بعض الشباب ممن كان وراء نشوء حركة "20 فبراير" الاحتجاجية التي انطلقت منذ سنتين، قرر تطوير أساليب الاحتجاج من خلال قناة الإبداع الفني والثقافي، فكانت الموسيقى والمسرح خير معبر عن انتظاراتهم وطموحاتهم في التغيير وكسر جميع التابوهات، سواء كانت سياسية أو مجتمعية. "هنا صوتك" قابلت نماذج منهم.

ثورة على الواقع

حسني المخلص شاب مغربي في الثلاثينيات من عمره، كان ناشطا خلال احتجاجات حركة 20 فبراير بمدينة الدار البيضاء، صحفي، و شاعر أيضا كلما أتته القصيدة. اليوم يعتقد حسني أن الوقت حان للتخاطب مع الشارع بوسيلة أخرى تقلص المسافة التي كانت تباعد بين الطرفين خلال الحراك الشبابي. "مسرح المحكور" ( مسرح المقهور) كان اختيار حسني ومجموعة من الشباب والشابات المغاربة الذين خرج أغلبهم من خضم الغضب الشبابي قبل سنتين.

استلهم حسني ورفاقه الفكرة من المسرحي البرازيلي أوغستو بوال الذي أبدع هذا النوع المسرحي في ستينيات القرن الماضي، كنوع مسرحي يبتعد عن النمط المسرحي الكلاسيكي بتفاعله المباشر مع الجمهور، وبحثه عن الحل الاجتماعي المتمثل في تغيير الواقع. يشرح حسني المخلص واحدا من وجوه هذه التجربة المسرحية التي بدأت تتوسع قاعدتها شيئا فشيئا لتشمل مدنا مغربية عديدة:

"الهدف من هذا النوع المسرحي هو تدريب الناس على التغيير، من خلال مسرحيات تجسد وضعية "القهر" المعاشة، وتمكين المتفرج في الشارع من تغيير هذا الوضع عبر إشراكه المباشر وتمكينه من النقاش، وتغيير مسار الحكاية في المسرحية عبر تغيير بعض الممثلين بالجمهور. هكذا ينكسر الحاجز الموضوع عادة بين الجمهور والممثل الذي يطبع المسرح التقليدي، الهدف بالأساس هو كسر الصورة النمطية عن المسرح، التي ارتبطت في ذهن الناس بالقاعات الكبرى، وإزالة تلك الصورة القاتمة عن الشارع عن طريق جعله فضاء للنقاش الحقيقي حول جميع القضايا والموضوعات المهمة التي تقض مضجع الجمهور".

" 20 فبراير" حية

يحكي حسني عن بداية الفكرة التي كانت حلما فأضحت حقيقة وأملا بفضل تضحياته هو وعدد من رفاقه: "فكرة إنشاء فرقة متخصصة في هذا النوع المسرحي، جاءت بعد مضي سنة على انطلاق الحراك المغربي المتمثل في حركة 20 فبراير. فبدلا من أن نحتكر مكبرات الصوت ونطلق حقائقنا إلى الناس، قررنا أن نعطي مكبرات الصوت إلى الناس، وأن نسمع مشاكلهم والحلول التي يقترحونها عبر تقنيات مسرح "المحكور". نعتبر أنفسنا امتدادا للحراك الذي  عرفه المغرب من أجل الديمقراطية، بل أبناء هذا الحراك و نتاج له، لكننا لا نحاول خلق ثقافة احتجاج بديلة، بقدر ما نحاول خلق وعي مجتمعي وتدريب الناس على عدم القبول بالقهر الاجتماعي الذي يمارس عليهم، وبتقوية قدرتهم على إبداع حلول لمشاكلهم".

هكذا كانت الانطلاقة في مارس 2012 حين قدمت المجموعة أول عرض لها تحت عنوان "تلاح" (ارحل)، بعدها بدأت المجموعة في الاشتغال على "ثيمات"  تتناول ظواهر اجتماعية من قبيل الرشوة، وقدم مسرح "المحكور" ثلاثة عروض في الهواء الطلق بشراكة مع جمعية ترانسبارنسي الدولية، فضلا عن إشراف المجموعة على عدد من الورش التدريبية للشباب في هذا النوع المسرحي. والخطوة المقبلة لمسرح "المحكور" هي عرض مسرحي يناقش موضوع "عدم الإفلات من العقاب في الجرائم الاقتصادية".

"لا نملك حقيقة جاهزة نقدمها للجمهور، نحن نبني الحقيقة معه ومن أجله. وهمنا يبقى، في آخر المطاف، تطوير المجتمع و تمكينه من العيش بحرية وكرامة، عبر النضال الفني من أجل عدالة اجتماعية يحظى بها الجميع"، يوضح مخلص.

 مسرح من أجل التغيير

إلى جانب تجربة مسرح "المحكور"، ظهرت تجربة شبابية أخرى تنطلق أيضا من الحراك الشبابي الذي شهده المغرب. العرض المسرحي الأول للمجموعة الشابة حمل عنوان "وليدات الفيسبوك" (أولاد الفيسبوك). المسرحية لمخرجها الشاب سعيد الوردي ومثل فيها عدد من الشباب من مدينة سلا.  المهدي بن خوجة واحد من شباب هذه المبادرة المسرحية، وهو ناشط أيضا في حركة 20 فبراير. يعتبر في حديثه لـ "هنا صوتك" أن الفكرة جاءت "تفاعلا مع الحراك الشعبي الذي عرفه المغرب سنة 2011 ، وخلف مجموعة من الأسئلة حول موضوع الاحتجاج في حد ذاته، والتجاوب الذي لقيه سواء من الشارع أو السلطات". ويضيف بن خوجة: "الغرض من المسرحية هو إلقاء الضوء على الفعل الاحتجاجي والتفاعلات التي يخلقها سواء مع السلطات أو المجتمع أو الفاعلين في حد ذاتهم، بالإضافة إلى نقد السياسات الحكومية (حكومة بنكيران) التي تم نهجها، والتي لم تترجم الروح والدينامية والمطالب التي حملها الشارع، ليبقى السؤال مفتوحا حول أهمية الفعل الاحتجاجي وجدواه، وعن مدى تحقق الانتقال الديمقراطي والتنمية التي تم رفع شعارها منذ حكومة التناوب".

المسرح بالنسبة إلى المهدي وأصدقائه فرصة مناسبة لنشر الوعي والحس النقدي لدى المغاربة والتوعية بالقضايا الآنية التي تشغلهم، هي كما يتابع بن خوجة، "دعوة للتفكير في الواقع المعاش وإيجاد سبل لتغييره".

لا تثنيهم الصعوبات التي يواجهونها عن الاستمرار في فعلهم وثورتهم على الواقع ومحاولة تغييره. "قُدم العرض الأول في مسرح محمد الخامس، وهو العرض الوحيد، فلم نتمكن من تنظيم عروض أخرى بسبب عدم موافقة وزارة الثقافة على قبول طلبنا في دعم الترويج المسرحي، بحجة أن العمل ينتقد الحكومة ولا يمكنهم تمويل أعمال من هذا القبيل، الدولة تخشى دائما من أي فعل ثقافي وتوعوي ونقدي"، بحسب بن خوجة.