عفراء جلبي* تكتب: رمي الرّحم والرّحمن

قبل "الثورة السورية" كانت ثلاث جهات تتعرض للسباب المقذع واللعن والعبارات المشينة: الله والدين والمرأة. وبعد الثورة ما تزال الإهانة مستمرة لهذه الجهات، قولاً وفعلاً. 

قبل "الثورة السورية" كنت أحب زيارة الأهل والأقارب في بلاد "الواق الواق" السورية. وكان ذهولي يتجدد في كل زيارة من هذه القدرة العلنية على سبّ الله والدين والمرأة في بلاد خرست فيها الألسن، وهُمّشت العقول، وأحياناً في عبارات متواصلة ومرات كثيرة على لسان أطفال وفتيان في الشوارع. كان مجتمع ما فيه "يا أمي ارحميني". وهي عبارة تشي باغتيال المرأة والرحمن الرحيم في مجتمع فخره دهس المرأة والرحمة والله والإنسان.

لن يستطيع الكثير من الناس تخيل أزمة المشهد إلا إذا قلبنا لهم الصورة. تخيّل أن يسبّ أحدهم قضيب جدّك في الشارع أمام الملأ، أو خصيتي عمّك، وبعدها يكملها بلعن دينك وربّك. ما هذا الهوس!

معظم السّباب الذي يتناول المرأة يسدّد أذيّته على جسدها، وبالأخص على أعضائها التي تلد منها الحياة.

وإذا محّصنا في الأمر فإننا نجد أن سبّ الله وسبّ أعضاء الأنثى مترابطان عضوياً، لأنهما يعبران عن سخط على الحياة وتدفقها وجمالها ورقتها ورحمتها. ولا تنسوا أن كلمتي الرحمن والرحيم والتي هما في كل بسملة من اشتقاقات الرحم. فليس من الصدف أن المجتمع الذي يسبّ الله ويهينه يسبّ المرأة ويهينها ويهين رحمها وما يتعلق به.

هناك ارتباط بين الحياة وتواصلها بين الله والمرأة. ولهذا فإن العبارة العامية "هون ما في يا أمي ارحميني" لها دلالات عميقة على مجتمع لا أم فيه ولا رحمة لرحمها في منظومة لا تخشع فيها الأصوات للرحمن. إشكالية الإيمان في القرآن هي ليست الإيمان بخالق للكون كما يكررها لنا في عدة آيات، "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله". ولكن الخشوع للرحمن والذي تكمن فيه منظومة قيمية جديدة هي الدعوة المركزية. "وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن، أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا".

العجيب أنه بعد "الثورة" ما تزال المرأة تسبّ وتهان، من قبل النظام السوري ومن قبل من ثار عليه، بأغلبيتهم الساحقة في كل طرف. من قبل الدينيين واللادينيين. سواء في القتل والتعذيب في الأقبية أو الرجم علانيّة و السباب والقذف والرمي بكل أنواع الراجمات والسيوف اللغوية. يبدو أن إهانة المرأة والطفل شيء تتفق عليها جميع المنظومات الذكورية والتي جاءت الأديان تحدّياً لقيمها المحورية في الرجل المدجج بالسلاح. فأتت الأديان تتحداها بهدوء بالغ في صور متعددة لامرأة تحمل طفلاً. منظر هاجر واسماعيل لوحدهما في واد غير ذي زرع. وموسى وأمه التي تضعه في سلة تأمن فيه النهر عليه من الذكورية المسلحة التي تتوعد كل وليد بالقتل وكل امرأة بالاستبعاد. ومريم وهي تحمل المسيح بين يديها. ومحمد اليتيم الذي ربته أمه واعتنت به مرضعته، ثم تزوجته خديجة التي تكبره مالاً وسناً.

ولكن الإسلام بنسخته الذكورية أبعد هذه الصورة وأعاد صورة المقاتل الرجل، والذي يقتل الطفل والمرأة باليد، ويهين المرأة باللسان. ولذلك حتى لو انتصر المتشددون إسلامياً فلن يقبلوا بقيم القرآن. فهم حالياً أول من يدهس على تعاليمه، والتي وضعت قذف المرأة في مقدمة أولوياتها قبل 1400 عام، وقبل أن يصير يوم عالمي لمناهضة العنف ضد المرأة. ليس فقط هذا بل قررت بشكل واضح بأن من يقذف النساء لن تقبل شهادته بعدها نهائياً. أي بلغة العصر تسحب حقوقه المدنية ويُعتبر قاصراً خارج معايير الرشد والبلوغ. "والذين يرمون المحصنات" يقول لنا القرآن –يعني أي عبارات مسيئة فيها انتهاك للمرأة—يقول لنا بعد أن يحدد العقوبة "ولا تقبلوا لهم شهادة ابداً وأولئك هم الفاسقون". لغة صارمة لا مهادنة ولا تراجع فيها.

ولكن أليس غريباً أن الأمر لم يتم تهميشه في الخطاب أو التشريع الإسلامي فحسب، بل صار القذف ورمي النساء من واجبات الرجل المسلم وأداته للإصلاح.

هذا الأسبوع فيه اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة، ولا يمكن أن نغير أزمة العنف العالمية تجاه المدنيين في أنحاء العالم وأكثريتهم من النساء والأطفال بدون تغيير لغتنا وصورنا الذهنية. ولذلك فإن تكرر صورة الأم وهي تحمل الصغير أو تنقذ الصغير هي صورة محورية في أديان المنطقة في تحد صارخ لزخم المجتمع الذكوري وأصنامه من الأسلحة والجيوش التي تقف مترصدة بالحياة، وبوليد صغير داخل سلة، بينما تحمل رمزية صورة المرأة والطفل معاني تدفق الحياة وإمكانية تواصلها.

ولهذا فإن القرآن لم يهادن في سباب المرأة، ولم يجعلها قضية هامشية أو مؤجلة. بل وضعها من أولويات إصلاح المجتمع عندما جعل قذف ورمي النساء من الكبائر وانتهاكاً صارخاً للحدود التي يضعها في صيانة الحياة والنفس والكرامة، ووضع لها حداً واضحاً وسحب الجنسية ممن يقع فيها. لأنه لن يسلم مجتمع ينتهك المرأة لغوياً ولا تخشع فيه الأصوات للرحمن الرحيم. ومن هنا يبدأ التغيير! عندما نغير لغتنا وصورنا الذهنية نبدأ بخط رحلة جديدة. الموضوع جاد ومركزي. "قولوا قولا سديدا يصلح لكم اعمالكم".

*مقالات الرأي تعبّر عن وجهة نظر كتّابها، ولا تعبّر عن وجهة نظر "هنا صوتك".