ANP - لماذا يقبل النظام السوري اليوم ما رفضه في شباط الماضي؟

محمد العبد الله* يكتب: مبادرات الحل السوري.. تفتقر إلى السياسة

تجدد الحديث مؤخراً عن حل سياسي للأزمة السورية يتمثل في مبادرة سياسية جديدة، تدعمها موسكو هذه المرة، عبر مفاوضات سياسية بين النظام السوري والمعارضة، أو "جنيف 3". وهذه المبادرة، وإن قامت بكسر الجمود السياسي المحيط بالملف السوري، إلا أنها تغفل إلى حد كبير التجاذبات السياسية والتموضع الدولي والإقليمي حول الملف السوري، وتوحي بسطحية في طرح فكرة الحوار في ظل مشهد سياسي معقد لأسباب كثيرة.

أول هذه الأسباب أن معظم بنود هذه المبادرة التي طرحت وتم نقاشها مؤخراً مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تكاد تكون مطابقة لأسس المفاوضات التي طرحت في "جنيف 2". والحديث عن سلطة انتقالية لا مكان لبشار الأسد فيها (نقلاً عن مقال مطول لرئيس الائتلاف السابق معاذ الخطيب حول المبادرة) لا يختلف أبداً عما طرح في "جنيف 2" وباء بفشل شديد. فلماذا سيقبل النظام السوري اليوم ما رفضه في شباط الماضي؟ لا سيما أن النتائج الأولية لضربات التحالف ضد تنظيم "داعش" والتي بدأت منذ فترة توحي بأن النظام هو المستفيد الأكبر من الضربات في صيغتها الحالية.

وثاني هذه الأسباب وأهمها هو الكباش السياسي الأميركي- الروسي الذي وصل إلى درجة غير مسبوقة منذ انطلاق "الثورة السورية". فخلال "جنيف 2" لم تكن موسكو قد تدخلت عسكرياً في أوكرانيا، وكان ممكن للراعيين الرئيسيين لأي مفاوضات (أميركا وروسيا) الجلوس والعمل معاً لحل للأزمة السورية. اليوم، ومع تعقد العلاقات الأميركية- الروسية، لا يمكن النظر لمبادرة مفاوضات جديدة يرعاها طرف واحد حليف للأسد إلا على أنها وصفة فشل متكاملة.

وثالث الأسباب هو المفاوضات الأميركية- الإيرانية حول الملف النووي الإيراني، والتي تكثفت مؤخراً قبل الأسابيع الأخيرة من انقضاء مهلة المفاوضات في 24 من شهر تشرين الثاني الحالي. فالولايات المتحدة لا تركز على سوريا اليوم بقدر ما تركز على مفاوضاتها الاستراتيجية مع إيران، ويحمل الرئيس أوباما آمالاً حقيقية أن "صفقة رزمة" مع طهران حول مشروعها النووي من الممكن أن تدفع تجاه حل في سوريا لاحقاً تضمن فيها طهران دوراً مباشراً في سوريا (شبيه بدورها في العراق بعد تفجر العنف الطائفي هناك وظهور القاعدة) مقابل التخلي عن الأسد الذي سيصبح ورقة خاسرة لأي حليف. ناهيك عن الرهان الأميركي الأهم، أن واشنطن ستسحب إيران من الحلف الروسي وتقربها للمعسكر الغربي.

إضافة لكل ما سبق، تزامن الحديث عن المبادرة السياسية الجديدة عبر موسكو مع مبادرة منفصلة لمبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، تتمحور حول مجريات الأحداث على الأرض، تحدث فيها عن "تجميد القتال" في مدينة حلب واعتماد صيغة الهدن المحلية ومحاولة تعميمها كنقطة بدء أولية في اتجاه إيجاد حل للأزمة.

وإن كانت المبادرتان منفصلتان عن بعضهما انفصالاً كلياً، إلا أنه يمكن المجازفة بربط نجاح أي مفاوضات سياسية قادمة بنجاح مبادرة دي ميستورا، كونها ستعمل على إنضاج العوامل والظروف الموضوعية الداعمة لأي مفاوضات سياسية مستقبلية وعلى رأسها وقف إطلاق النار.

وبالنظر إلى مبادرة دي ميستورا، فإنه من الواضح أن فرص نجاح هدن مؤقتة مع وقف لإطلاق النار مرهون بشكل كامل بمدى مرونة النظام السوري، واستجابته لها، وقبوله بوقف عملياته العسكرية وغاراته الجوية، والسماح بدخول المواد الغذائية والطبية إلى المناطق المحاصرة. الأمر الذي لا يدعو للتفاؤل بالنظر إلى مجريات تطبيق هدن شبيهة في القدم في ريف دمشق وغيرها وعدم التزام النظام بها، وشعوره بتفوق عسكري ناتج عن المكاسب العسكرية غير المباشرة من ضربات التحالف ضد "داعش".

*مقالات الرأي تعبّر عن وجهة نظر كتابها، ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر "هنا صوتك".