yalla - أطفال سوريون في لبنان

بسام الأحمد* يكتب: توثيق الجرائم في سوريا .. مهمة صعبة لزمن صعب

أنس وجودي وحمزة، ثلاثة أطفال لأب تمّ اعتقاله على أحد الحواجز العسكرية التابعة لجهاز المخابرات الجوية في دمشق.

لم تكن حادثة اعتقال والدهم "أبو أنس" هي بداية معاناتهم، فقد كانت والدتهم "أم أنس" قد اعتقلت في اليوم نفسه من قبل الحاجز ذاته للاشتباه بتقديمها المساعدات الإنسانية للسكان المحاصرين في مدينة داريا، القريبة من دمشق العاصمة. وكان اعتقالها هو السبب الأساسي الذي دفع بزوجها إلى الذهاب إلى ذلك الحاجز مستفسراً عن سبب اعتقال زوجته.

لم يكن الأب يعلم أن ذلك الاعتقال سوف يغير مستقبل عائلته وأولاده للأبد. وصلت زوجته وفق شهادتها فيما بعد إلى السجن في مطار المزة العسكري. والذي أمضت فيه 5 أشهر قبل أن يتم تحويلها إلى سجن دمشق المركزي "عدرا".

قالت "أم أنس": "بقيت في سجن عدرا أكثر شهر  قبل أنّ يتم الإفراج عني".

فضلت "أم أنس" في البداية المكوث في دمشق على أمل خروج زوجها من المعتقل والبدء بترميم الأسرة من جديد، خاصة فيما يتعلق بالأطفال. لكن المضايقات الأمنية، أجبرتها على اللجوء إلى لبنان الجارة بواسطة أحد "المهربين". ثم التحق بها أطفالها. على أمل أن يتبعهم الوالد حين يتم إطلاق سراحه.    

بعد انقضاء أكثر من عام على اعتقال والد الأطفال الثلاثة، تواترت أخبار غير مؤكدّة من المعتقلين الذين كان يتم اطلاق سراحهم عن مصرعه داخل المعتقل. قامت الجدة والدة الوالد بعد عدة أشهر من ذلك الخبر بمراجعة مقر الشرطة العسكرية في القابون القريب من دمشق، لتسأل عن ابنها، وكانت الإجابة واضحة تماماً. "لقد مات في السجن" قال أحد العساكر.

تعلّقت الجدة بأمل بسيط، ربما ابنها على قيد الحياة. لأن الشرطة العسكرية في القابون لم تعطها أية وثائق شخصية لابنها المعتقل. إلاّ أنّ هذا الأمل ما لبث أن انقطع بشكل كامل في الأيام الأولى من شهر تشرين الأول 2014 بعد أن حصلت الزوجة على وثيقة وفاة موقّعة من إدارة مشفى تشرين العسكري الكائن في دمشق، يؤكد حادثة الوفاة ولكن بسبب "توقف قلب وتنفس" المعتقل، وليس بسبب تعذيب أو مرض.

قد تبدو القصة المذكورة آنفاً قصة معتادة ومتكررة في السياق السوري، وربما تبدو  ضربات التحالف الدولي ضد "داعش" شيئاً جديداً، يضيف "بريقاً" للمعاناة السورية، ويضيف حركة وتبريج إعلامي يسرق كل الأضواء متجاهلاً مآسي أخرى تحدث بشكل يومي.

استطاع مركز توثيق الانتهاكات في سوريا ومنذ بداية الاحتجاجات توثيق مقتل أكثر من ستة آلاف شخص بعد اعتقالهم على أيدي الأجهزة الأمنية، وفق أحدث وسائل التوثيق العالمية، واستطاع توثيق  المئات من حالات الاعتقال والقتل على يد التنظيمات الأخرى، وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"، ونؤكد أنّ الأرقام الحقيقة للضحايا أكثر بكثير مما تم توثيقه حتى الآن.

لن تزيد هذه الأرقام المرعبة في ملف المعتقلين والمختفين قسراً لدى النظام السوري ولدى الفصائل المعارضة المسلحة، أو التنظيمات المتطرفة الأخرى، على حد سواء إلاّ تعقيداً للمأساة السورية. في حال انتقلت سوريا إلى الخطوة الثانية، أو الفوضى الثانية، فلربما تمر بفترة "المساءلة والمحاسبة" والتي من المفترض أن تحصل بعد نهاية هذا الصراع الدموي، وتداركاً لمشاكل كبيرة قد تتسبب فيها الرغبة في الانتقام في المستقبل القادم، يجب التركيز على توثيق كل الجرائم والانتهاكات، خاصة بعد تنامي ظاهرة المتاجرة بأحوال المعتقلين الموتى منهم والأحياء، وابتزاز أهاليهم من قبل بعض السماسرة والمجرمين والمحامين. وزجّ القضية في صراعات سياسية تحت مسميات عديدة، يدفع ثمنها في النهاية المعتقلون والمختطفون وأهاليهم.

*المتحدث الإعلامي باسم مركز توثيق الانتهاكات في سوريا.

**مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر كتابها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر "هنا صوتك".