نور العارف تكتب: رقصة ليبية تتحول إلى معركة نسائية قبائلية

فرح في مدينة طرابلس. ومثلما جرت العادة في الأفراح الليبية، أخذت المطربة الشعبية تغنى أغنية تشيد بمناقب الرجال الليبيين، حيث تذكر اسم مدينة ليبية ومواصفات رجالها وتتفاعل الحاضرات معها رقصاً وتصفيقاً.. ويبلغ التفاعل ذروته عندما تذكر المغنية مدينة الزوج أو الحبيب.

ولكن في هذه المرة عندما جاء دور مدينة معينة، تعالت أصوات الاستهجان بدلاً من التفاعل المعتاد، مما أدى إلى انزعاج بعض الحاضرات اللاتي تعود أصولهن لهذه المدينة، وهو ما أسفر عن معركة نسائية، تبادل الطرفان فيها الشتائم والاتهامات والتهديدات أيضاً.

في مناسبة اجتماعية أخرى، تكرر موقف مشابه حيث احتدمت معركة كلامية أوشكت أن تنقلب لتشابك بالأيادي لولا تدخل وسطاء لتهدئة الطرفين بسبب النقاش حول مطار طرابلس ومن يسيطر عليه.

مواقف كثيرة مشابهة تكررت في الفترة الأخيرة، تدل على ما أصبح عليه المجتمع الليبي مؤخراً، والذي لطالما تميز بشدة ترابطه خصوصاً في المدن الكبرى كطرابلس، حيث لا أهمية تذكر للأصول التى ينحدر منها السكان في العلاقات الاجتماعية. ولكن اليوم لم يعد الوضع كما كان عليه في السابق، فالاختلافات والصراعات السياسية والعسكرية بين الاطراف المتصارعة على السلطة، ألقت بظلها على العلاقات الاجتماعية بين الليبين وأصبحت السياسة سبب خلافهم الرئيسي إن لم يكن الوحيد. ولم يقتصر حدوث الخلافات والمشاكل على الأفراح والمناسبات الاجتماعية بل وصل الأمر إلى صالات الانتظار في العيادات والمستشفيات ومراكز التجميل وأي مكان يجتمع فيه الناس حيث لايخلو أي ملتقى من نقاش سياسي سرعان مايتحول إلى معركة حامية الوطيس وتبادل للاتهامات وتشكيك في الوطنية قد تصل لحد التهديد. 

ووصلت الانشقاقات في المجتمع الليبي لمرحلة انقطعت بسببها علاقات بين أفراد العائلة الواحدة وبين الجيران والزملاء والأصدقاء.

 الخلافات السياسية أمر جديد تماماً على المجتمع الليبي الذي لطالما تجاهل السياسة ولم يتكلم فيها لعقود، وفجأة تحولت السياسة وصراعاتها الشاغل الأكبر لكل الليبين، وقد بدأت بوادر هذا الانقسام منذ ثورة فبراير حيث انقسم المجتمع الليبي بين مؤيد ومعارض للقذافي لكنه لم يكن بالسوء الذي وصل إليه مؤخراً، إذ تفاقم خصوصاً بعد سيطرة تحالف المليشيات التابعة لمدن معينة على مدن أخرى وأصبح لامناص من الوقوف مع أحد الأطراف دون الآخر، فبدل أن تكون ليبياً وكفى، يجب أن تكون مع طرف دون الآخر حسب المدينة التى تنتمى إليها.

و في حالة تم حسم الصراع الدائر في ليبيا بشكل أو بآخر لصالح أحد الأطراف، هل سيرأب الحسم هذا الانقسام الحادث بين الليبين؟ وهل سنشهد مزيداً من التهجير وتصفية الحسابات وإنزال العقاب حسب الهوية والانتماء السياسي؟ لننتظر ونرى هل سيستعيد المجتمع الليبي ترابطه ام ستتفاقم خلافاته اكثر فأكثر.

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر كتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر "هنا صوتك".