ANP - "خسرت أمريكا تحالفاتها خلال الثورة السورية، ليس بسبب الثورة ولكن حبا بإيران"

محمد عبد الله* يكتب: أمريكا تركيا إيران.. ومستقبل المنطقة

تمر العلاقات الأميركية- التركية بأسوء مراحلها منذ عقد من الزمان. فالفتور الذي نتج عن رفض أنقرة الانخراط في الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، تعمًق بشكل واضح خلال الثورة السورية، ليبلغ حداً غير مسبوق بعد أزمة كوباني، إذ وصل الأمر إلى الانتقادات العلنية وتبادل الاتهامات والشتائم بين العاصمتين.

فأنقرة، القلقة كثيراً من التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في المنطقة ضد تنظيم داعش، والتي تشعر بخيبة أمل كبيرة حيال سياسة أميركا في سوريا عموماً، وحيال الرفض الأميركي لمساندة تركيا في موقفها من نظام دمشق ومساعدتها في الإطاحة بالأسد، لا تخفي أن أجندتها وأولوياتها في المنطقة تختلف كثيراً عن أولويات واشنطن، الأمر الذي يجعل أزمة كوباني مجرد تفصيل عابر في العلاقات المتأزمة بين البلدين، ويظهر أزمة ثقة عميقة بين البلدين تمتد لسياسة واشنطن الخارجية في المنطقة في المحلصة.

فمنذ تولي الرئيس أوباما سدة الرئاسة في الولايات المتحدة، انتهجت الولايات المتحدة سياسة شرق-أوسطية محابية لإيران، خسرت فيها واشنطن معظم تحالفاتها الاستراتيجية والرئيسية في المنطقة، ومتركزة أساساً على مبدأين رئيسيين:

 الأول: أن إهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة في انحسار مستمر وأن الشرق الأوسط لم يعد المكان الذي سترسل الولايات المتحدة قواتها أو دبلوماسييها للعب دور فيه. فالولايات المتحدة بدأت بإنتاج النفط من الحجز الزيتي (التفتيت) وبالتالي لا رغبة لها في استمرار الحصول على النفط من المنطقة العربية سوى جعل أسعار النفط مرتفعة ومكلفة لكل من روسيا والصين، بما في ذلك انعدام الاستقرار في المنطقة واستمرار التوتر والمشاكل الأمنية.

 الثاني: أن إيران برهنت على أنها الدولة الأقوى في المنطقة والأكثر خبرة وبراغماتية سياسية، والأكثر قدرة على الإمساك بملفات وأوراق سياسية وأمنية في أكثر من دولة عربية وآسيوية، وهي بالتالي ستكون الحليف الأمثل للولايات المتحدة فيما لو تخلت عن مشروع القنبلة النووية واكتفت بالمقابل باعتراف أميركي وغربي بدور إقليمي وامتيازيات اقتصادية.

ومع إنطلاق الربيع العربي، تكشّفت السياسة الأميركية بشكل واضح وغير قابل للتأويل عن التقارب الأميركي الإيراني، وكانت الثورة السورية النقطة الأمثل للولايات المتحدة لإبلاغ حلفاء الأمس بتحالفات اليوم. وفي المحصلة، انتهجت الولايات المتحدة حيال سوريا سياسة "عدم إغضاب إيران" بشكل عام. فلا تدخل عسكري ضد الأسد، ولا دعم لخصوم الأسد (تركيا) لدور عسكري بري، ولا السماح بالحد الأدنى لخصوم الأسد (السعودية) بالتسليح أو الدعم الجدي للمعارضة السوية، وتغاض مطلق عن الميليشيات الشيعية الإيرانية والعراقية ودورها في العراق وسوريا.

ويفيد النظر إلى صورة العلاقات الأميركية في الشرق الأوسط بعيداً عن الثورة السورية إلى تعزيز نظرية التقارب الأميركي الإيراني. فقد عملت إدارة الرئيس أوباما على إعادة ترتيب الأولويات والعلاقات في الشرق الأوسط عموماً واعتماد مبدأ "تلزيم" أزمات الشرق الأوسط إلى القوى الإقليمية هناك دون تكبد عناء التدخل السياسي أو العسكري في المنقطة، والعودة لشراء استقرار وهمي ومؤقت عبر تحالفات مع قوى لا تمثل مصالح سكان المنطقة ولا تنوعها السياسي والديني والإثني.

فبعد تدهور العلاقات مع السعودية، ومن ثم تركيا بناء على أزمة كوباني، تمر العلاقات الأميركية الإسرائيلية بأسوأ فصولها اليوم إلى درجة غير مسبوقة وصلت إلى تراشق الشتائم عبر الصحف وبشكل علني، بالرغم من إدراك إدارة أوباما حجم وتأثير اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، لا سيما مع انتخابات تشريعية جزئية مقبلة خلال أسبوع في الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يحصل فيها اليمين الجمهوري على مقاعد أكبر.

هكذا، خسرت الولايات المتحدة خلال الثورة السورية معظم تحالفتها الاستراتيجية، غير أنها لم تخسرها بسبب الثورة، بل حباً بإيران.

*مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي "هنا صوتك".