أيمن بوبوبح يكتب: كيف تتعرف على مدرب "التنمية البشرية"؟

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة بروز الكثير ممن يطلقون على أنفسهم "مدربون في التنمية البشرية". بصفتي صديق للكثير من المدربين ولكوني حضرت ندواتهم ومحاضراتهم ودوراتهم وقرأت ما يكفي من كتب التنمية البشرية، أردت أن أسلط الضوء على هذا المجال الذي يحومه الكثير من الغموض حول تكوين هؤلاء المدربين التي تعج بهم الساحة ومدى مصداقيتهم وصحة ما يرددون من نتائج باهرة.

قبل أن أبدأ في تحليل هذه الظاهرة أريد أن أوضح بأن الغاية من هذا المقال ليس هو التشكيك في قدرات المدربين أو النيل من سمعتهم، بل بالعكس. أؤمن بأن دور التدريب هو بث روح الحياة في الناس بعدما تمكن الفشل والإحباط منهم، وقتلت السلبية إرادتهم ودفنوا في قبور الأحياء فوق أرض مليئة بفرص لا يقتنصونها لأنهم مطأطئو الرأس من اليأس واجترار ألم وإخفاقات الماضي. أريد فقط أن أعرف بالإطار الذي يعمل فيه مدرب التنمية البشرية وكيف يستطيع الإنسان أن يميز بين الصالح والطالح، بين من يستغل سذاجة الناس فيبيع لهم الكلام والأوهام عن غير علم، ومن درس التنمية البشرية وتعمق فيها.

سألت أنس مبارك، مدرب ومحاضر في مجال التنمية البشرية وصاحب برنامج "أوكسجين" الشهير عن سبب تزايد عدد المدربين وكيف يمكن للإنسان أن يعرف من هو "الكوتش" الكفء الذي يتوفر على المنهجية العلمية الكافية ؟ فأجاب:

"سبب تزايد عدد مدربي التنمية البشرية في بلدنا مؤخرا يرجع إلى عدم تقنين هذا المجال، وغياب مؤسسة  تنظمه أو تشرف عليه ليتحول المغرب إلى سوق للعديد من المدربين من الداخل والخارج المختلفة درجات كفاءتهم. دورات تدريب المدربين في يوم أو يومين، والحصول على شهادة  بدون قيمة من طرف العديدين جعل العدد يتضخم".

ويصف أنس المدرب الكفء بثلاث صفات أساسية : أولها أن يكون ذو انجازات شخصية فإن تكلم على النجاح، عليه أن يكون مثالا في ذلك. الشرط الأساسي الثاني، هو التخصص، فالمتخصص في مجال معين يكون أكثر عطاءًا من المدرب الذي يحاضر في كل المجالات، وآخر شرط جعله أنس جوهريا: "أن يكون هذا المدرب محب للعطاء والخير يشارك معرفته  وتجربته بهدف الرقي بأبناء هذا البلد، ويعتبر أن هذا العمل هو بناء للإنسان وهو جزء من رسالته".

بغض النظر عن الكلام الذي يقوله المدرب فأول ما يرمقه المتلقي هو الهيئة التي يظهر بها "الكوتش" على جمهوره. من سابع المستحيلات أن يستسيغ المتلقي كلام المدرب عن الحرية المادية والاستقلال المادي وتحقيق الغنى والعيش في سعادة وهو ذو ملامح كئيبة وحالة يرثى لها. ربما يكون كلامه صحيحا لكن لسان حاله يبعث للمتلقي بمجموعة من الرسائل مفادها أن هذا "المدرب" لم ينفع حتى نفسه فكيف سينتفع به الآخرون؟

الكثير من أصدقائي لا يؤمنون بالتنمية الذاتية وتطوير المهارات ويرون في ذلك مضيعة للوقت وضحك على الذقون، لأنهم لم يلمسوا بعد المدرب الموهوب المحترف الذي استثمر وقته وماله للإحاطة بكل جوانب التدريب بل وتخصص في جزئية منه. صراحة، لو لم أعاشر أصدقاء أعزاء يلهمونني في كل مرة يشاركونني ما نالوه من علم في التنمية الذاتية لكانت عندي نفس الفكرة، لكن أيقنت بعد حوارات مطولة معهم بأنه علم قائم بذاته قد يستعمل لمعالجة الكثير من المشاكل النفسية والدراسية والمهنية والاجتماعية. المشكل يكمن في أن كل من هب ودب يطلق على نفسه إسم "مدرب معتمد"  ويسمح لنفسه بالحديث عن أمور يجهل مضامينها.

مجتمعنا يعاني من قيود نفسية وعادات سلبية أحدثت عقلية منهزمة تمنعه من اللحاق بمصاف المجتمعات الرائدة والمبدعة. لا شك أن دور المدربين جوهري لتحقيق هذه النقلة، لكن القليل من يدرب الناس ويكونهم ويزرع فيهم العزيمة والأمل عن شغف واقتناع تام. والقليل من يأخذ العلم من أفواه العلماء في مشارق الأرض ومغاربها ويكون نفسه ثم يتخصص في مجال ما، ويتفرغ لضبطه ثم ينشره بين الناس. هؤلاء القلة هم "المدربون المعتمدون" الحقيقيون. من نبحث عنهم وسط كومة من الهواة والمرتزقة في زمن الرداءة.

*مقالات الرأي تعبر عن وجهات نظر أصحابها ولا تعبر عن رأي إذاعة هولندا العالمية