ثلاثة عقود لاسترداد اقتصاد ما قبل الحرب

الحرب الدائرة في سوريا منذ ما يقرب الآن من ثلاث سنوات، هي "حرب صامتة على التنمية البشرية والاقتصادية"، فقد دمرت قدرة المواطنين العاديين على الحفاظ على سبل العيش الأساسية وفقا لتقرير نشرته هذا الأسبوع اثنان من وكالات الأمم المتحدة.

في هذا الشأن، صرح مايكل باورز -مدير الاستجابة الاستراتيجية وحالات الطوارئ العالمية في مؤسسة "ميرسي كور" الإنسانية التي تعمل بشكل وثيق مع اللاجئين السوريين في لبنان والأردن- أن: "هناك قاعدة عرفية، وهي أنه عادة ما تحتاج بلد حوالي سبع سنوات للتعافي من كل سنة من سنوات الحرب الأهلية".

وأضاف في حديثه مع وكالة إنتر بريس سيرفس أنه "على الرغم من صعوبة تبرير هذا النوع من التقدير، فإننا إذا نظرنا إلى الصراعات الأهلية السابقة مثل يوغوسلافيا والعراق، لوجدنا أنه عادة ما يستغرق الأمر عقداً من الزمان على الأقل كي تتعافى الدولة".

هذا ولقد ساهم النزوح الجماعي للمواطنين السوريين وفقدان الوظائف على نطاق واسع في "انخفاض كبير في معدلات الاستهلاك... التي تدنت بنسبة 18.8 في المئة في 2012 ... و47 في المئة في 2013، وفقا لتقرير منظمة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وأشار الباحثون في الأمم المتحدة إلي الاستهلاك الخاص كمقياس مباشر لرفاه الأسرة.

وبالإضافة إلى ذلك، فقد اختفى ما يصل إلى 2.3 مليون وظيفة منذ بداية الحرب، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى إيقاف تشغيل الأنشطة الاقتصادية على نطاق واسع في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.

ويأتي هذا التقرير في وقت حرج، حيث يناضل زعماء العالم حالياً من أجل التوصل إلى موعد لعقد مؤتمر "جنيف 2"، الذي يهدف إلى تمهيد الطريق لإيجاد حل سياسي للصراع الذي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 100,000 شخصا.

ومع ذلك ، يقول عدد من الخبراء إنه حتى لو تم عقد هذا المؤتمر وحتى لو تم العثور على حل سياسي، فإن الآثار الاجتماعية والاقتصادية للحرب الأهلية سوف تستمر لعقود قادمة.

ووفقا لأليكس بولوك -مدير قسم التمويل المتناهي الصغر في وكالة الأمم المتحدة لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين- سوف يحتاج الاقتصاد السوري إلى 30 سنة كي يستعيد معدل نموه عام 2010 والبالغ خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

لكن الأمر لا يقتصر علي الأثر الاقتصادي للحرب الدائرة في سوريا. فقد أتت بأثار مدمرة أيضاً على عوامل الرفاه الاجتماعي الرئيسية، بما في ذلك التعليم، والمساعدات الصحية، وتشريد السكان، مما سوف يؤثر سلبياً على المستوى العام في البلاد للتنمية البشرية.

 

ووفقا للتقرير، فاعتبارا من يوليو 2013 تلف ما يقرب من 3،000 مدرسة جزئيا أو كليا، وتحول كثير منها إلى ملاجئ لآلاف المشردين داخلياً. كما زادت معدلات التسرب من المدارس جراء الأزمة التعليمية العميقة التي تعاني منها البلاد، وبحلول الربع الثاني من عام 2013، اضطر 49 في المئة -أو واحد من كل طفلين- إلى ترك مدارسهم.

وبينما ترك الصراع تأثيره السلبي على المباني المدرسية في جميع أنحاء البلاد، لم تسلم المرافق الطبية منه أيضاً. ويقدر التقرير أن أكثر من 40 في المئة من مستشفيات البلاد هي خارج الخدمة حالياً، مما يجعل من الصعب على السوريين العاديين تلقي المساعدة الطبية الأساسية، ناهيك عن الأخطار الصحية التي تمثلها الأوبئة الخطيرة.

وعلى الرغم من أن المجتمع الدولي، وفي طليعته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، قد حشد الملايين من الدولارات في شكل مساعدات إنسانية وأموال لتعزيز التنمية الاقتصادية، فمن غير المرجح أن تساعد الوضع الاجتماعي والاقتصادي السوري على الخروج من هذه الهاوية.

كذلك فقد انخرطت وكالات دولية، مثل وكالة الغوث الدولية، في عدد من مشاريع التنمية الاقتصادية التي تهدف إلى مساعدة السوريين العاديين على الحفاظ على مستوى أساسي من سبل العيش كحد أدنى، بما في ذلك مشاريع التمويل المتناهي الصغر ومرافق التعليم والبنية التحتية الصحية.

وشرح الخبير أليكس بولوك لوكالة إنتر بريس سيرفس: "لقد تم تلقي الكثير من الدعم، في المقام الأول من الأوروبيين، ولكن أيضا من بعض الدول العربية في المنطقة". وأضاف، "على الرغم من أن مساعدات العالم العربي كانت صغيرة إلى حد ما، فإن بلدانا مثل المملكة العربية السعودية قدمت مساعدات غذائية للمشردين داخل البلاد".

وأفاد أن الحكومة السورية نفسها كانت داعمة جدا لعمل الأونروا. "نحن في المقام الأول نعمل مع حزب البعث الحاكم، والذي هو أيضا أداة اتصالنا الرئيسية في وزارة الخارجية السورية "، كما يقول مشيرا الى ان الحكومة المركزية قد سهلت أيضا تقديم المساعدة إلى الأعداد الكبيرة من اللاجئين الفلسطينيين في البلاد.

لكن رغم الدعم السياسي الذي تلقته هذه المنظمات، فإن مستقبل الاقتصاد السوري لا يزال قاتماً. فقد أدى تصاعد الصراع المدني بين الفصائل المسلحة إلى "تدمير الموجودات الاقتصادية والإنتاجية في البلاد" بحسب التقرير، ودفع هذا الشعب السوري إلى الاعتماد على الزراعة، وهو قطاع غير مستقر للغاية في البلاد.

هذا وحسب بيانات أوائل نوفمبر الجاري، أنتجت الحرب ما يقرب من ثلاثة ملايين لاجئ سوري، تم منح 2.2 مليون منهم وضع اللاجئين، وفقا للمفوض السامي لشؤون اللاجئين للأمم المتحدة، علما بأن ما يقرب من 40 في المئة من هؤلاء هم من الأطفال دون سن 12 عاماً.

هذا ولا يبدو أن الأزمة الإنسانية الكارثية تتحرك نحو أي حل. وقالت رئيسة الشؤون الانسانية بالأمم المتحدة، فاليري اموس، لمجلس الأمن أن "الوضع الانساني في سوريا لا يزال يتدهور بسرعة وبلا هوادة"، وفقا للمتحدثة باسمها أماندا بيت، التي اشارت إلي أن أعداد السوريين ممن هم في حاجة إلى مساعدات إنسانية قد ارتفع إلى أكثر من تسعة ملايين.

نقلا عن وكالة الأنباء العالمي انتر بريس سيرفيس