anp - حدثوني عن مثل هذه النماذج؟ عن حيادهم؟ عن وقارهم؟ عن احترامهم لحق المتهم في الدفاع عن نفسه؟ عن احترامهم لالتزامات مصر الدولية؟ عن كونهم أمناء علي العدالة في بلدي؟؟

مالك عدلي يكتب: المستنقع ... أوراق من دفاتر محام مصري

عادت بي ذاكرتي إلى أيام طفولتي حين كنا نلعب لعبة "عسكر وحرامية". كنا نحاول أن نتلبس شخصيات الضابط والحرامي فكان شكلنا مضحكا بتلك المسدسات اللعبة، والأصوات التي نحاول أن نخرجها من حنجرتنا في إشارة إلى أن من كان يلعب دور الضابط منا تمكن ممن كان يلعب دور الحرامي، أو العكس، ثم نعود إلي بيوتنا سعداء ومنهكين من كثرة العدو وراء بعضنا. تقدم بنا العمر ومضت السنون واكتشفنا أن الضابط ليس بالضرورة هو الشخص الخير، الذي كنا نتعارك من أجل أن نلعب دوره، واكتشفنا أيضا أن الحرامي ليس بالضرورة ذلك ال"آثم" الذي كنا نتهرب من أداء دوره. دخلت إلى قاموس مفرداتنا كلمات من قبيل "تلفيق، ظلم، انتهاك، تعذيب، تزوير ...إلخ". لا أدري ما الرابط بين هذا المشهد التمثيلي الذي كنا نحب أن نلعبه، وما حكاه لي صديقي المحامي محمود بلال، حين طلب من رئيس الدائرة 5 جنايات الجيزة المتفرغة كدائرة من دوائر "الإرهاب" حاليا، أن يحكم بوقف نظر قضية أحداث مجلس الوزراء تعليقا لحين فصل اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في الشكوى المقدمة من ضحايا أهالي مجلس الوزراء لها، والتي قبلتها مبدئيا باعتبار أن قرار هذه اللجنة ملزم لكافة السلطات المصرية بما في ذلك المحاكم المصرية، والذي قد يؤثر على نظر الدعوى وتحديد الجاني الحقيقي فيها، فرد عليه القاضي: "وأنا مالي ومال الجماعة السود دول يا أستاذ؟ يعني هما الجماعة السود دول هيمشوا كلامهم علينا؟". وعبثا حاول صديقي محمود بلال أن يشرح له كيف أن تلك اللجنة لها اختصاص قضائي بموجب الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، الذي سبق وصدقت عليه مصر، وأصبحت ملتزمة بأحكامه، إلا أنه لم يقتنع  بالرغم من أننا حاولنا أن نقدم له نص الاتفاقية كما هو منشور في الجريدة الرسمية، فرد قائلا: "ميخصنيش". لو كنا نعلم ونحن صغار أن هناك دورا للقاضي، أراهن أننا كنا قد تقمصناه ببراعة أكثر من بعض قضاة هذا الوطن، ولكن للأسف علمنا كان يقتصر على شخصيتي الضابط والحرامي.

 في إحدي الجلسات طلب أحد المتهمين من هذا القاضي أن يتحدث إلي المحكمة فرد عليه قائلا: "اخرس". كان المتهم أستاذا جامعيا مرموقا فحاول عبثا أن يبدي اعتراضه على هذا الرد، إلا أن القاضي لم يسمح له ورفع الجلسة فتحايل المتهم حتى يخرجه القاضي خارج القفص ويستطيع التحدث إليه مباشرة، فطلب رد القاضي في الجلسة التالية، وكان من موجبات الرد أن يخرج المتهم خارج القفص لتوقيع بعض الأوراق وحين خرج المتهم من قفصه قال للقاضي: "واحنا جايين من السجن النهارده ضابط الترحيلات أهانني وشتمني بأمي عارف قاللي إيه؟". فسأله القاضي: "إيه؟" فنظر المتهم في عينيه طويلا ثم قال: "يلعن ميتين أمك". وتسمر القاضي مكانه لدقيقة، ولم يستطع بالطبع اتخاذ إجراء قانوني مع أنه يعلم أنه المقصود بما قاله المتهم انتقاما لأنه قال له سابقا: "إخرس". حدثوني عن مثل هذه النماذج؟ عن حيادهم؟ عن وقارهم؟ عن احترامهم لحق المتهم في الدفاع عن نفسه؟ عن احترامهم لالتزامات مصر الدولية؟ عن كونهم أمناء علي العدالة في بلدي؟